Loading...




المنتدى الأسلامى العام General Islamic Forum


إنشاء موضوع جديد  إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-15-2015, 03:28 PM   #1
صديق المنتدى
 


افتراضي وقفات مع عنوان القرآن الكريم

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته



وقفات مع عنوان القرآن الكريم



ثار خلاف ظاهري بين العلماء في أول ما نزل من القرآن، وعند التحقيق يتبين أن أول ما نزل هو أول سورة العلق، وإنما وقع الخلاف بينهم في هذه السور الثلاث: العلق، والمدثر، والفاتحة، إلا أن أكثر أهل العلم مال إلى أن سورة العلق لم تنزل كاملة، وبقي الخلاف منحصرًا بين المدثر، والفاتحة، والراجح أن أول ما نزل كاملاً هو المدثر، وهو ما ذهب إليه السيوطي، حيث قال: إِنَّ (سورة الفاتحة) الأكثرون على أنها مكية، بل ورد أنها أول ما نزل، وقال: اخْتُلِفَ في أول ما نزل من القرآن على أقوال: أحدها - وهو الصحيح -: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ [العلق: 1]، فاستشهدوا بحديث عائشة - رضي الله عنها -:

"أول ما بدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرؤيا الصادقة، جاءه الملك فقال: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾ [العلق: 1 - 3]"، قال النووي: هذا دليل صريح في أن أول ما نزل من القرآن قوله تعالى: ﴿ اقْرَأْ ﴾، وهذا الذي عليه الجماهير من السلف والخلف، وأصرح من هذا الحديث ما رواه الحاكم في "المستدرك" عن عائشة أيضًا: "إن أول ما نزل من القرآن ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ [العلق: 1]".



وإنما كان مستند من رجح سورة المدثر على سورة العلق ما روى الشيخان عن سلمة بن عبدالرحمن قال: "سألت جابر بن عبدالله: أيُّ القرآن أُنْزِلَ قبلُ؟ قال: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴾ [المدثر: 1]، قلت: أو ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾؟ قال: أحدثكم ما حدثنا به رسول الله، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إني جاورت بِحِرَاءَ، فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وشمالي ثم نظرت إلى السماء، فإذا هو - يعني جبريل - فأخذتني رجفة، فأتيت خديجة، فأمرتهم فدثروني فأنزل الله: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ ﴾ [المدثر: 1، 2]"، وقد أجيب على ذلك بأن السؤال كان عن نزول سورة كاملة، فبيَّن أن سورة المدثر نزلت بكمالها قبل نزول تمام سورة اقرأ، فإنها أول ما نزل منها صدرها، قال السيوطي: "ويؤيد هذا ما في الصحيحين أيضًا عن أبي سلمة عن جابر: سمعت رسول الله وهو يحدث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: ((بينا أنا أمشي سمعت صوتًا من السماء فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بِحِرَاءَ على كرسيٍّ بين السماء والأرض، فرجعت فقلت زَمِّلُوني زملوني، فدثَّرُوني، فأنزل الله ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴾ [المدثر: 1]، فقوله: ((الملك الذي جاءني بِحِرَاءَ)) يدل على أن هذه القصة متأخرة عن قصة حراء التي نزل فيها: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ [العلق: 1]".



قال ابن حجر:

"والحكمة في هذه الأوَّلية أن هذه الآيات الخمس اشتملت على مقاصد القرآن، ففيها براعة الاستهلال، وهي جديرة أن تسمى "عنوان القرآن"؛ لأن عنوان الكتاب يجمع مقاصده بعبارة وجيزة في أوله، وبيان كونها اشتملت على مقاصد القرآن أنها تنحصر في علوم التوحيد والأحكام والأخبار، وقد اشتملت على الأمر بالقراءة، والبداءة فيها بـ "بسم الله"، وفي هذه الإشارة إلى الأحكام، وفيها ما يتعلق بتوحيد الرب وإثبات ذاته وصفاته، وفي هذا إشارة إلى أصول الدين، وفيها ما يتعلق بالأخبار من قوله تعالى: ﴿ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [العلق: 5]".



قوله تعالى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾ [العلق: 1 - 3].



الآية (1) قوله تعالى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ [العلق: 1]:

فيه دلالة على اختيار المخاطب به أول مرة، وهو أُمِّيٌّ لا يعرف القراءة والكتابة، ولم يكن من أهل الكتاب، ولم يتصل بأحد منهم إلا ورقة بن نَوْفَل بعد أن نزل عليه الوحي حين سأله عن ذلك لَمَّا رَاعَهُ الأمر، وقبل ذلك لم يكن له علم بالناموس ولا بالرسالة، وهو الأمر الذي يثير التساؤل: لماذا أنزل الله تعالى القرآن الكريم على بشر أمي لا يقرأ، ولا يكتب، وفي العرب غيره من العلماء والأحبار؟ وبمعنًى آخر: ما الذي تميز به محمد - صلى الله عليه وسلم - عن غيره من سائر البشر لينزل عليه الوحي؟ حيث إن بقايا أهل الكتاب أتباع نبي الله تعالى إبراهيم، والذين سُمُّوا بالحنفاء، وغيرهم من أهل الكتاب، كانوا على خُلق، وهو ما تميز به نبي الله محمد - صلى الله عليه وسلم - لكن ما الذي ميزه عن هؤلاء؟ إن الله اصطفاه وهو أعلم بمن اصطفى، والقارئ في سيرته العطرة يستشف منها طَرَفًا لأسباب اصطفائه واختياره - صلى الله عليه وسلم - حيث اختلف العلماء في تعبُّده - صلى الله عليه وسلم - قبل البعثة، هل كان على شرع أم لا؟ وما ذلك الشرع؟ فقيل: شرع نوح، وقيل: شَرْع إبراهيم، وهو الأقوى، وقيل: موسى...، هذا ما قاله ابنُ كثير، والثابت من سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن تقرير القرآن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، وأنه لم يكن على علم بكتب الديانات القديمة، فلم يعرف التوراة والإنجيل، وإن كانت فيهما بشارات برسول يأتي من بعدهما اسمه أحمد، ولم يكن بمكة المكرمة التي كانت محل إقامته مدارس لِلاَّهوت الموسوي أو المسيحي، وبذلك يثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن على علم بالشرائع السابقة، وذلك هو الحق، وعليه يمكن القول بأن عبادته كانت أقرب إلى التفكر في ملكوت السموات والأرض، وهذا هو ما يوصل المؤمن إلى الله تعالى، وهو ما فطن إليه السلف الصالح، فقالوا: "تَفَكُّر ساعة خيرٌ من قيام ليلة"، وعن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه - وهو التعبد - اللياليَ ذواتِ العدد، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملَك فقال: اقرأ، قال: ((ما أنا بقارئ))، قال: ((فأخذني فغطَّنِي حتى بلغ مني الْجَهْدَ، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾ [العلق: 1 - 3]))".



ذلك أن العبد يزداد إيمانُه بالله تعالى كلما أتى من الطاعات واجتهد فيها؛ حتى إنه يقال لقارئ القرآن: "اقرأ وارقَ؛ فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها"، وكذلك الحال بالنسبة للمتفكر في خلق الله تعالى، فإنه يختصر طريق الرقِيِّ إلى الله تعالى؛ ولذلك فإنه يرقى بتفكره هذا ما يصل إليه العابد القائم يصلي، قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [آل عمران: 190]، قال المفكر سيد قطب: "لا بد لأي روح يراد لها أن تؤثِّر في واقع الحياة البشرية فتحولها وجهة أخرى، لا بد لهذه الروح من خلوة وعزلة بعض الوقت؛ فالاستغراق في واقع هذه الحياة يجعل النفس تألفه، وتستنيم له، فلا تحاول تغييره، أما الانخلاع منه فترة، والانعزال عنه، والحياة في طلاقة كاملة من أَسْرِ الواقع الصغير، ومن الشواغل التافهة، فهو الذي يؤهل الروح الكبير لرؤية ما هو أكبر منه، ويدربه على الشعور بتكامل ذاته بدون حاجة إلى عرف الناس"، وهو الأمر الذي يفتح العقل عن فهم وإدراك مغزى نزول القرآن الكريم على النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو في هذه الحال من الفكر والتفكر والخلوة؛ حيث إن هذا الأمر هو أهم ما يجب أن يتصف به الأنبياء والرسل، وكذلك من تبعهم من الدعاة والمصلحين، ألا وهو رجحان العقل، وقوة الفكر، ولم ينفرد محمد - صلى الله عليه وسلم - دون غيره من سائر الأنبياء، وإنما كان الأنبياء جميعًا على هذا المسلك من رجحان العقل وقوة الفكر قبل إرسالهم لقومهم بالبعثة، فهذا هو حال نبي الله تعالى إبراهيم، حيث كان متفكرًا، وحكى القرآن حاله من التدبر والفكر، قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ [الأنعام: 75 - 78].



والناس مدهوشون بالدنيا وما فيها، فلا ترى أعينُهم ما وراءها من عوالم الغيب، فقد روي في الأثر أن (الشياطين يحومون على أعين بني آدم أن لا يتفكروا في ملكوت السموات والأرض، ولولا ذلك لرأوا العجائب) ، والأنبياء والحكماء ليسوا كسائر الناس، فهم يرون ما وراء عالم الشهادة بقلوبهم، فيبصرون ما لم يبصره ضعاف البصر، وهو عين ما رآه نبي الله تعالى إبراهيم لما تفكر في خلق السموات والأرض، فتوصل إلى نتيجة وهي أن الله تعالى أكبر من سمائه، وأكبر من الشمس، ولا يذهب، ولا يغيب، ومن ثَم توصل لله تعالى بفكره قبل أن تنزل عليه الرسالة، وهو الأمر الذي له دلالة أكيدة على أن الله تعالى يتوصل إليه بالعقل المجرد، وأن الرسالات ما هي إلا ميسرات على الثقلين، وبدونهما يقدر الإنسان على أن يصل إلى الله تعالى، فينتهي عن الشر، ويقبل على الخير، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وما عُلِم بصريح العقل لا يتصور أن يعارضه الشرع ألبتة، بل المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط، وقد تأملت ذلك في عامة ما تنازع الناس فيه، فوجدت ما خالف النصوص الصحيحة الصريحة شبهات فاسدة، يُعلم بالعقل بطلانها، بل يُعلم بالعقل ثبوت نقيضها الموافق للشرع، وهذا تأملته في مسائل الأصول الكبار كمسائل التوحيد والصفات ومسائل القدر والنبوات والمعاد وغير ذلك، ووجدت ما يعلم بصريح العقل لم يخالفه سمع قط"، وقال ابن القيم: "الرب تعالى يدعو عباده في القرآن إلى معرفته من طريقين: أحدهما النظر في مفعولاته، والثاني: التفكر في آياته وتدبرها، فتلك آياته المشهودة، وهذه آياته المسموعة المعقولة، فالنوع الأول كقوله: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ ﴾ [البقرة: 164] إلى آخرها، وقوله: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [آل عمران: 190]، وهو كثير في القرآن، والثاني كقوله: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ﴾ [النساء: 82]، وقوله: ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ ﴾ [المؤمنون: 68]، وقوله: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ ﴾.



كما أنه لمن اللافت للنظر، والمستغرق للانتباه، أن يبدأ المولى - سبحانه وتعالى - أول خطاب للبشرية جمعاء بالأمر بالقراءة؛ إذ كان من الممكن أن يبدأ سبحانه خطابه بالأمر بالصلاة أو بالصيام أو بالحج أو بالجهاد، بَيْدَ أن الخطاب بهذا الأمر له دلالة تأكيدية على أهمية القراءة في دين الإسلام؛ باعتبارها مصدرَ تلقي الوحي من الله تعالى، فالقرآن حوى بين دفتيه أحكام الله تعالى التي أمر بها، والنواهي التي نهى عنها، فرسم الطريق المستقيم الذي أوجب التزامه، والذي اتبعه المؤمنون، فالله - عز وجل - يعلمنا كيف نستقي أحكام ديننا، ومن أين نأتي بها، فقصر هذا الأمر على العلم الذي هو من عند الله تعالى، إذ قال سبحانه: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ [العلق: 1]، فنحن إزاء طرق ثلاث في الوصول إلى الله تعالى: (العقل، والقلب، وعمل الجوارح)، وكلها طرق لا تصل بصاحبها تمام الوصول، ولا تقيه من العثرات وسقطات النزول، إذا ما انفردت كل واحدة منها وحدها لا تعبأ بغيرها من الطرق الأُخَر، ولا سبيل أبدًا للوصول الآمن إلى الله إلا بطريق يجمع بين هذه السبل الثلاثة لتكون طريقًا واحدًا، يجمع فيها السالك بين عقله، وفكره، وتجلياته، وقلبه، وحاله، وخطراته، وعمل جارحته ليصدّق بها على معتقداته وبغياته، وهذا هو طريق الأنبياء الذي شرعه لهم ربهم باصطفاءاته وعطاءاته .



فلا ينبغي لأي بشر كان أن يُحدِّث عن دين الله تعالى دون أن يكون قد قرأ ما يحدِّث به فيما بلَّغه النبي - صلى الله عليه وسلم - عن رب العزة وحْيًا مُنزلاً عليه، فإذا لم يكن قد قرأه في كتاب مسند بسند صحيح، ولم يبلغه ذلك عن سنة نبيه بسماع من ثقات عن ثقات عن الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - فهنا يكون قد أخطأ في الاستدلال، فالإسلام يقصر مصدر التلقي والاستدلال على الوحي فحسب، قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ [الشورى: 51]، وهو أمر لا ينفك عن أحد أمرين: إما آية في كتاب الله تعالى، أو سنة مبينة لحكم الله تعالى وصلت إلينا بسندها الصحيح، فإذا لم يكن ذلك ولا ذاك، فهنا لا يجوز إدخال هذا القول في ديننا مهما بلغ من قال به من العلم ما بلغ ما دام أنه لا يستشهد لقوله بكتاب الله أو سنة نبيه الذي لا ينطق عن الهوى؛ إذ لا شك أنه ما دام خلا قوله من الاستشهاد بالكتاب والسنة، فإنه يكون من رأيه هو، الذي يحتمل الخطأ كما يحتمل الصواب.



لذا قال سبحانه: ﴿ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾، وقال سبحانه: ﴿ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [العلق: 5]، فهاتان الآيتان تدلان على أن العلم الشرعي لا بد وأن يكون مصدره الوحي عن الله تعالى، فالله سبحانه يريد أن تحترز في طلب العلم عن ديننا، ويعلمنا الانتباه عند الاستدلال، فينبغي لطالب العلم الشرعي أن يتلقى هذا العلم من الذي أنزله، وهو الله تعالى، وذلك بالطريق الذي حدده، وهو الوحي؛ عن طريق قراءة كتابه، وتعلُّم سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة بالنقل عن الأئمة الأعلام.



الآية (2) قوله تعالى: ﴿ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾ [العلق: 2]:

كما أنه من اللافت كذلك للنظر أن القراءة المأمور بها في هذه السورة اقترنت بأمرين: فاقترنت باسم الله تعالى؛ أي: بأمره وحكمه وشرعه؛ لقوله سبحانه: ﴿ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾، واقترنت كذلك بالإشارة إلى خلقه؛ إذ قال سبحانه: ﴿ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾ [العلق: 1، 2]، وفي ذلك دلالة واضحة على أن آيات الله تعالى ليست تلك المسطورة في كتابه الذي أنزله على نبيه الذي هو القرآن فحسب، وإنما تتجلى تلك الآيات في خلق الله تعالى كذلك، وتظهر أجلُّ التجليات لهذا الخلق في خلق الإنسان الذي خُلق من قطعة لحم معلقة في جدار رحم الأم، بكيفية لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، تلك القطعة من اللحم، والتي سماها القرآن بـ (العلقة)، تتحول بقدرة الله تعالى إلى إنسان ينطق، ويتكلم، ويسمع، ويفهم، ويعي، ويعقل، ويبصر، ويستشعر، فقد خلق الله تعالى له من المكنات ما يعجز البشر عن وصفه.



وفي ذلك دلالة على أدب التلقي عن الله تعالى، فإذا أردت أن تتعلم من الله تعالى، فعليك أن تعود بذاكرتك للوراء؛ لتتذكر حالك وأنت علقة معلقة بجدار رحم الأم، فتتذكر صغر حجمك، ولتستشعر كم كنت في هذا الحال من الضعف والصغر وأنت تقرأ كتاب الله تعالى! فلا تستعظم نفسك أيها الإنسان وأنت بين يدي الله تعالى، يقول سبحانه: ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ﴾ [الأعراف: 146].



الآية (3) قوله تعالى: ﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾ [العلق: 3]:

وفي ذلك دلالة على تعظيم الله تعالى، وعدم جواز وصفه إلا بما يليق به سبحانه؛ إذ لو عجز الإنسان عن وصف نفسه كما خلقه مولاه، فإنه أحرى بأن يعجز عن وصف سائر خلقه، بل ووصف خالقه إلا بما يليق به سبحانه، فإذا أردت أن تقرأ كتاب الله تعالى لتعلم عن الله تعالى، فعليك أن تنزه ربك عن النقائص والعيوب، ﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾ [العلق: 3]، ولا يتأتى ذلك إلا بأن تقف عند الحد الذي وصف الله به نفسه، ولا تزِدْ على ذلك، فلا تأت بصفة عن الله تعالى لم تَرِدْ عن الله تعالى بطريق الوحي - كما ذكرنا - فلا ينبغي أن يشطح بنا الخيال لننسب لله تعالى ما لا يليق به سبحانه - تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا.



والكرم وصف جامع لمحاسن الأخلاق وأحسن الصفات، قال ابن تيمية: "سمى ووصف نفسه بالكرم، وبأنه الأكرم بعد إخباره أنه خَلَقَ؛ ليتبين أنه ينعم على المخلوقين ويوصلهم إلى الغايات المحمودة...، فالخلق يتضمن الابتداء، والكرم تضمن الانتهاء، ولفظ الكرم لفظ جامع للمحاسن والمحامد... وهو سبحانه أخبر أنه الأكرم بصيغة التفضيل والتعريف لها،.. وقوله ﴿ الْأَكْرَمُ ﴾ يدل على الحصر، ولم يقل "الأكرم من كذا"، بل أطلق الاسم ليبين أنه الأكرم مطلقًا غير مقيد، فدل على أنه متصف بغاية الكرم، الذي لا شيء فوقه ولا نقص فيه".



وقال فخر الدين الرازي:

"الكرم إفادة ما ينبغي لا لِعِوَضٍ، ومن أعطى ثم طلب عوضًا، فهو ليس بكريم، وليس يجب أن يكون العوض عينًا، بل المدح والثواب والتخلص عن المذمة كله عِوَض"، وضرب لذلك مثالاً دقيقًا فقال" "فمن يهب السكين ممن يقتل به نفسه، فهو ليس بكريم"، ولعل المعنى الذي يريد أن يشير إليه أن الله تعالى بعد أن خلق الإنسان وأكرمه، فأحسن مثواه، وأعطى له من النعم ما ابتلاه به، فإن الإنسان عليه أن يعبد ربه بما أنعم الله عليه سبحانه من نعم، فيشكر ربه عليه، فإن كفر فكأنه ذبح نفسه بسكين، لكن الله تعالى لا يرضى له الكفر، فمن كرمِه أن يمنحه تلك النعم لا ليذبح نفسه بها، وإنما يشكر ربه، فيُثاب على ذلك الجنةَ، ولكنَّ جَهْلَ الإنسان بكرم ربه أوقعه في المهلكة.

والله اعلم
IMAM غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-16-2015, 04:42 PM   #2
عضو مميز
 

افتراضي رد: وقفات مع عنوان القرآن الكريم

بارك الله فيك وجزاك كل خير
محمد الغجري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
وقفات تربوية في ضوء القرآن الكريم IMAM المنتدى الأسلامى العام 1 01-13-2015 05:04 AM
معجزة القرآن الكريم الرياضية: القرآن يتحدى - أول قاعدة بيانات كاملة عن القرآن الكريم abood الأدعية و الكتب والاسطوانات والتفاسير الاسلامية 2 01-14-2014 09:55 PM
من كنوز القرآن الكريم "قصة يوسف، وقفات - وفوائد - لطائف" (الجزء الثاني) abood الأدعية و الكتب والاسطوانات والتفاسير الاسلامية 1 09-05-2013 10:37 AM
من كنوز القرآن الكريم "وقفات - فوائد - لطائف" (الجزء الأول) abood الأدعية و الكتب والاسطوانات والتفاسير الاسلامية 1 09-05-2013 10:36 AM
وقفات مع القرآن الكريم abood الصوتيات والمرئيات الأسلامية 7 04-17-2013 05:21 PM


الساعة الآن 12:05 AM


1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123