Loading...




الأقسام المنــــــوعة Forum topics and diverse talent


إنشاء موضوع جديد  إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-06-2013, 01:27 PM   #1
عضو مميز على الاقسام المنوعة
 
الصورة الرمزية khallil321
 


العز بن عبد السلام.. سلطان العلماء وبائع السلاطين




لسنا هنا بصدد سرد لتاريخ حياة ذلك الإمام الجليل.. والعالم الفذ.. والفقيه والأصولي الجهبذ.. والسياسي البارع.. والمصلح الاجتماعي المتبصر.. والتربوي الخبير.. والمجاهد الكبير.. الصادع بكلمة الحق.. الآمر بالمعروف ، والناهي عن المنكر.. الزاهد الورع.. المتصوف على طريقة السلف الصالح.. الداعية المستنير، والخطيب المفوه.. سلطان العلماء كما أطلق عليه تلميذه، ابن دقيق العيد.. شيخ الإسلام والمسلمين، وأحد الأئمة الأعلام.. إمام عصره بلا مدافعة.. المطلع على حقائق الشريعة وغوامضها.. العارف بمقاصدها كما يقول عنه السبكي فى طبقاته: عز الدين أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن بن محمد بن المهذب السلمي الدمشقي الشافعي الشهير بالعز بن عبد السلام 577 هجرية 660 هجرية.

فترجمة الشيخ كما يقول ابن شهبة " طويلة ، وحكاياته فى قيامه على الظلمة وردعهم كثيرة مشهورة ".. وقصصه ، ومواقفه تتردد دائما على ألسنة الدعاة.. ونادرا إذا وجدت مسلما ، لا يعرف العز أو لم يسمع عنه ، أو لم يقرأ سيرته ، أو كتابا من كتبه.. فقط أردنا فى هذه العجالة أن نعلق على بعض مواقفه ، وأن نستخلص بعض الدروس والعبر ، التي أرجو من الله أن تنفعنا فى أيامنا هذه.

طموح العلماء:

فى أول صدام بينه وبين الحكام المنحرفين عن الحق ، وقف سلطان العلماء لا يهاب أحدا ، ولا يخشى فى الله لومة لائم.. فقد استطاع طائفة من مبتدعة الحنابلة ، القائلين " بالحرف والصوت " التأثير على السلطان الأشرف ، وأوهموه أن اعتقادهم هو اعتقاد السلف ، وأن العز مخالف لهم.. وطلبوا من السلطان أن يستفتيه فى هذا الأمر.. " فاستهال السلطان ذلك، واستعظمه.. فكتبوا فتيا فى مسألة الكلام وأوصلوها إليه ، وهدفهم أن يكتب العز بعقيدته ، فتسقط مكانته عند السلطان ".. وكتب العز رسالته الرائعة فى العقيدة.. صريحة ، واضحة ، قوية.. مزج فيها الاستدلال العقلي والاستشهاد النقلي فى براعة المجادل الواثق مما يقول.. يصف فبها المولى جل فى علاه بأنه : " متكلم بكلام قديم أزلي ، ليس بحرف ولا صوت ، ولا يتصور فى كلامه أن ينقلب مدادا فى الألواح والأوراق ، فلا ترمقه العيون والأحداق كما زعم أهل الحشو والنفاق ، بل الكتابة من أفعال العباد.. ولا يتصور من أفعالهم أن تكون قديمة ، ويجب احترامها لدلالتها على ذاته.. كما يجب احترامها لدلالتها على صفاته ".. والرسالة بطولها فى طبقات السبكي (الجزء الخامس).. فما كان من السلطان الأشرف عندما قرأ الرسالة إلا أن عزل الإمام من مناصبه ، ومنعه من مبارحة بيته أو الاجتماع بأحد.. ولنتأمل فى هذا الموقف فقط رد العز على الوزير الذي جاء ليبلغه الحكم الصادر ضده.. لنرى ما الذي يشغل الرجل ، ويستحوذ على اهتماماته.. ولنتعرف على أهدافه وطموحاته.. فالعز عندما سمع الحكم من الوزير ، لم يفقد صوابه.. لم يبد سخطه.. لم يندب حظه ، ولم يبك على مناصبه التي سحبت منه.. ولم يسئ إلى مبلغه ، بل لم يتركه حتى أهداه مما عنده..

قال العز: ".. إن هذه الشروط من نعم الله الجزيلة علي, الموجبة للشكر لله تعالى على الدوام, أما الفتيا ، فإني كنت والله متبرما بها وأكرهها ، وأعتقد بأن المفتى على شفير جهنم ، ولولا اعتقادي أن الله أوجبها على فى هذا الزمان لما كنت تلوثت بها.. والآن فقد عذرني الحق ، وسقط عني الوجوب ، وتخلصت ذمتي.. ولله الحمد والمنة.. وأما ترك اجتماعي بالناس ولزومي البيت ، فما أنا في بيتي الآن, إنما أنا فى بستان ، ومن سعادتي لزوم بيتي وتفرغي لعبادة ربي ، والسعيد من لزم بيته وبكى على خطيئته ، واشتغل بطاعة الله ، وهذا تسليك من الحق ، وهدية من الله تعالى إلي.. أجراها على يد السلطان وهو غضبان ، وأنا بها فرحان.. والله لو كانت عندي خلعة تصلح لك على هذه الرسالة المتضمنة لهذه البشارة لخلعت عليك ، ونحن على الفتوح ، خذ هذه السجادة وصل عليها.. فقبلها وقبلها ".

إباء العلماء:

توفى الملك الأشرف 635 هجرية ، وخلفه أخوه الصالح إسماعيل على سلطنة دمشق ، وفي مصر.. توفى الملك الكامل ، وتولى مكانه أصغر أولاده (العادل الثاني) ، الذي لم يكن له من مواهب الحكام وقدراتهم شيئا.. فما كان من أخيه الأكبر القوي الشرس نجم الين أيوب إلا أن جمع جيش من الخوارزمية ، وقدم بهم إلى مصر ، وأزاح أخاه من فوق عرش السلطنة وجلس مكانه.. وبعد أن استتب له الأمر فى مصر.

التفت إلى الشام ، وأعلن عزمه على ضمها.. إذ هي فى الأصل ملك لوالده الملك الكامل ، وما الصالح إسماعيل إلا متغلب عليها ، مغتصب لها.. وهنا ترتجف أوصال الصالح إسماعيل ، وتطيش تصرفاته ، ويتحالف مع الصليبيين ، ويستنصرهم على ابن أخيه.. ويتنازل لهم فى نظير ذلك عن مواقع هامة من سلطنته ، تمثل خط الدفاع الأول فى وجه نجم الدين إذا فكر فى غزو دمشق.. ويسمح لهم بدخول البلاد ، والتزود بالبضائع ، وشراء الأسلحة... وهنا يأتي دور العالم ، المعبر عن هموم الشعب ، المتحدث باسمه.. ويصعد العز منبر المسجد الأموي فى يوم مشهود ، وكان موضوع الخطبة : " ذم موالاة الأعداء وتقبيح الخيانة ".. انتهي فيها إلى أن الملك قد خان أمانة الله ، وخان ثقة المسلمين ، وأن الخائن لا ولاية له.. ثم تجاهله فى الدعاء.. ودعا والناس من خلفه يبتهلون بالتأمين: " اللهم أبرم لهذه الأمة إبرام رشد ، تعز فيه أولياءك ، وتذل فيه أعداءك ، ويعمل فيه بطاعتك ، وينهي فيه عن معصيتك ".. وكذلك فعل الشيخ أبو عمرو بن الحاجب المالكي.. فيعتقل الشيخان ، ثم يفرج عنهما ، ويلزم العز بالمكوث فى داره.. وعدم الإفتاء.. وعدم الاجتماع بأحد.. ويستأذن الشيخ فى الهجرة ، فيؤذن له.. ولكن الصالح إسماعيل يراجع نفسه فربما استضافه أمراء الدولة الأيوبية المنافسون.. فأرسل فى أثره أحد خواصه ، وقال له : " تدفع منديلي إلى الشيخ وتتلطف به غاية التلطف ، وتستنزله ، وتعده بالعودة إلى مناصبه على أحسن حال.. فإن وافقك ، تدخل به علي ، وإن خالفك فاعتقله إلى خيمة إلى جانب خيمتي.. ".. ويلحق رسول الصالح إسماعيل بالشيخ ، ويقول له : ".. بينك وبين أن تعود إلى مناصبك ، وما كنت عليه وزيادة ، أن تنكسر للسلطان ، وتقبل يده لا غير ".. فقال العالم الجليل الممتلئ عزة وأنفة وإباء : " والله يا مسكين ما أرضاه أن يقبل يدي ، فضلا عن أن أقبل يده.. يا قوم أنتم فى واد وأنا فى واد.. والحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به ".

يقول الأستاذ محمد حسن عبد الله تعليقا على كلام العز : ".. أنتم فى واد ، وأنا فى واد.." هكذا قال العز ولقد قال الحق.. وما للواديين أن يلتقيا.. فهم فى واد الخيانة والخسة ، وهوان الشأن.. وهو فى واد الشرف والرفعة ، وعزة المؤمنين.. ولقد أسلمهم واديهم إلى خذلان الدنيا وسوء المآل فى الآخرة ".. فقد جاءت الجيوش المصرية إلى القدس ، والتقت بالقوات المتحالفة من جنود إسماعيل والصليبيين.. فهزموهم شر هزيمة ، وفك أسر الشيخ.. وواصل طريقه إلى مصر ، فوصلها عام 639 هجرية.. فالحمد لله الذي عافاه مما ابتلاهم به.

هيبة العلماء:

قصة بيع أمراء المماليك فى المزاد ، أكثر من مشهورة ، وهي القصة التي لم يسمع بمثلها فى التاريخ.. ولم يعرف رجل أقدم على مثل هذا العمل غير العز بن عبد السلام.. نقتطف هنا من فصولها ، هذا المشهد الأخير الذي جمع بين نائب السلطنة (وكان مملوكيا ، وهو أحد المعروضين للبيع).. وقد جاء على فرسه ، حاملا سيفه ، ومعه حرسه وجنوده ليقتل العز ، بعد أن فشلت المفاوضات والملاطفات فى إثنائه عن عزمه وبين العز ، الذي خرج من بيته ليقابل نائب السلطان ، واثقا.. ثابتا.. يعلوه النور والوقار.. مستصغرا حتى نفسه ، أن تنال الشهادة فى سبيل الله.. وعندما رآه نائب السلطان ، أدرك قوة الشيخ ، الذي سوى بين الحياة والموت.. وشعر بضآلته ، وقلة شأنه أمام ذلك الجبل الشامخ " فيبست يد النائب ، وسقط السيف منها ، وأرعدت مفاصله.. فبكى ، وسأل الشيخ أن يدعو له وقال: يا سيدي خبر أيش تعمل ؟, قال: أنادي عليكم وأبيعكم.. قال: ففيم تصرف ثمننا؟, قال: فى مصالح المسلمين, قال: من يقبضه؟, قال:أنا.. فتم له ما أراد، ونادي على الأمراء واحدا واحدا، وغالى فى ثمنهم ، وقبضه ، وصرفه فى وجوه الخير.. وهذا ما لم يسمع بمثله.. رحمه الله تعالى ورضي عنه ".

مكانة العلماء:

لنضرب بعض الأمثلة والمواقف التي تدل على المكانة العظيمة التي احتلها العز ، ليس فى قلوب تلامذته ومحبيه فقط بل فى قلوب أعدائه وخصومه.

مكانته عند الأعداء.. عندما اعتقله الصالح إسماعيل في خيمة إلى جانب خيمته.. بعد اعتراض العز على تحالف الأخير مع الصليبيين.. كان الشيخ يقرأ القرآن ، والسلطان يسمعه ، فقال يوما لملوك الفرنج ، وهم مجتمعون معه : أتسمعون هذا الشيخ الذي يقرأ القرآن ؟.. قالوا: نعم.. قال: هذا أكبر قساوسة المسلمين، وقد حبسته لإنكاره على تسليمي لكم حصوننا ، وعزلته عن الخطابة ، وعن مناصبه ، فجاء إلى القدس ، وقد جددت حبسه واعتقاله لأجلكم.. فقالوا: لو كان هذا قسيسنا لغسلنا رجليه ، وشربنا مرقتها.

مكانته عند عامة الشعب:

عندما شرع العز فى بيع المماليك ، رفض السلطان نجم الدين أيوب ، وقال: إن هذا الأمر ليس من اختصاصه.. فعزل العز نفسه من مناصبه ، وحمل حوائجه ومتاعه على حمار ، وأركب عائلته على حمار آخر ، ومشى خلفهم.. وخرج من القاهرة ، قاصدا الشام.. فخفق قلب القاهرة لرحيل العز عنها.. وتناقل الناس الخبر ، فخرج معظم المصريين من العلماء ، والفقهاء ، والخطباء ، والصلحاء ، والرجال ، والنساء ، والصبيان ، والتجار ، والعمال ، والصناع.. فى موكب مهيب خلف موكب الشيخ البسيط.. " لحقه غالب المسلمين.. لم تكد امرأة ولا صبي ولا رجل لا يؤبه إليه يتخلف "... فبلغ السلطان الخبر.. فقال له أحدهم: خرج الناس كلهم ، فماذا بقى لك.. تدارك ملكك ، وإلا ذهب بذهاب الشيخ.. فركب السلطان بنفسه ، ولحقه واسترضاه ، وطيب خاطره ، فرجع.

مكانته عند العلماء:

بعدما حدث فى فتنة الحنابلة بين العز ، والملك الأشرف.. ذهب الشيخ جمال الدين الحصيرى - شيخ الحنفية فى زمانه - إلى القلعة ، فلما رآه السلطان.. وثب قائما ، ومشى إليه ، وأنزله عن حماره ، وأجلسه ، واستبشر بوفوده عليه ، وقدم له شرابا وطعاما.. فقال له: ".. ما جئت إلى طعامك وشرابك.. ايش بينك وبين ابن عبد السلام ، وهذا رجل لو كان فى الهند أو في أقصى الدنيا.. كان ينبغي للسلطان أن يسعى فى حلوله فى بلاده ، لتتم بركته عليه وعلى بلاده ، ويفخر به على سائر الملوك.. ".. ثم وضح له الشيخ الحصيرى صحة موقف العز ، وأن ما قاله هو: " اعتقاد المسلمين ، وشعار الصالحين ، ويقين المؤمنين ".. فما كان من السلطان إلا أن قال: " ونحن نستغفر الله مما جرى ، ونستدرك الفارط في حقه.. والله لأجعلنه أغنى العلماء.. وأرسل إلى الشيخ ، واسترضاه ، وطلب محاللته ومخاللته ".. وعندما قدم العز إلى مصر ، كانت شهرته قد سبقته.. وقد اعترف به علماء مصر أستاذا ، وقدموه ، وتراجعوا دونه ، حتى قال الشيخ المنذري - أشهر علماء مصر وحفاظها ، ومفتيها فى ذلك الوقت ( صاحب كتاب : الترغيب والترهيب ) - : " كنا نفتى قبل حضور الشيخ عز الدين ، وأما بعد حضوره ، فمنصب الفتيا متعين له ".

مكانته عند الخلفاء والسلاطين:

أسقط العز شهادة الوزير (معين الدين) عندما وصل به استخفافه بالدين ، أن بنى ما كان يسمى " طبل خانة " ، أو بلغة العصر " كازينو أو صالة رقص " بجوار أحد المساجد ، وقيل فوقه ، فهدم العز البناء بيده ، وأسقط شهادة الوزير.. وبعدها لم يقبل أحد له رأي ، ولم يصدق أحد له قول.. حتى الخليفة المستعصم فى بغداد.. قال : " إن المذكور أسقطه ابن عبد السلام.. فنحن لا نقبل روايته ".. وهذا الظاهر بيبرس عندما بلغه نبأ وفاة العز رحمه الله.. حزن حزنا شديدا ، وقال: " لا اله إلا الله.. ما اتفقت وفاة الشيخ إلا في دولتي, وشيع أمراؤه ، وخاصته ، وأجناده جنازته ، وحمل بنفسه نعشه ، وحضر دفنه ".

شجاعة العلماء:


نكتفي بهذا الموقف الذي حكاه تلميذه الإمام علاء الدين أبو الحسن الباجى.. حيث قال: " طلع شيخنا ، عز الدين مرة إلى السلطان (نجم الدين أيوب) ، في يوم عيد إلى القلعة.. فشاهد العساكر مصطفين بين يديه ، ومجلس المملكة ، وما السلطان في يوم العيد من الأبهة ، وقد خرج على قومه فى زينته.. وأخذت الأمراء تقبل الأرض بين يدي السلطان.. فالتفت الشيخ إلى السلطان ، وناداه: " يا أيوب : ما حجتك عند الله إذا قال لك ألم أبوئ لك ملك مصر ثم تبيح الخمور؟!، فقال : هل جرى هذا؟, فقال: نعم، الحانة الفلانية يباع فيها الخمور وغيرها من المنكرات وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة.. فقال أيوب: - وكان سلطانا قويا مهابا - : يا سيدي ، هذا أنا ما عملته, هذا من زمان أبي.. فقال: أنت من الذين يقولون: " إنا وجدنا آباءنا على أمة ", فرسم السلطان بإبطال تلك الحانة ثم سأل الباجى أستاذه العز عن ذلك الموقف، فقال : " يا بني رأيته فى تلك العظمة ، فأردت أن أهينه ، لئلا تكبر نفسه فتؤذيه.. فقال: يا سيدي، أما خفته ؟, فقال العز: والله يا بنى استحضرت هيبة الله تعالى فصار السلطان قدامى كالقط.

كرامات العلماء:


في طبقات تاج الدين السبكي.. " عندما قام الصليبيون بمهاجمة مصر.. وعندما وصلوا إلى المنصورة فى المراكب ، واستظهروا على المسلمين.. وكان الشيخ مع العسكر ، وقويت الريح.. فلما رأى الشيخ حال المسلمين ، نادى بأعلى صوته ، مشيرا بيده إلى الريح: يا ريح خذيهم ، عدة مزار.. فعادت الريح على مراكب الفرنج فكسرتها.. وكان الفتح ، وغرق أكثر الفرنج.. فصرخ من بين يدي المسلمين صارخ : الحمد لله الذي أرانا فى أمة محمد رجلا سخر له الريح.

إنفاق العلماء:


من طبقات السبكي أيضا.. "حكى قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة رحمه الله ، أن الشيخ لما كان بدمشق ، وقع غلاء كبير ، حتى صارت البساتين تباع بالثمن القليل ، فأعطته زوجته مصاغا لها وقالت: اشتر لنا به بستانا نصيف به.. فأخذ ذلك المصاغ ، وباعه ، وتصدق بثمنه ، فقالت زوجته: يا سيدي اشتريت لنا؟!, قال: نعم ، اشتريت بستانا فى الجنة.. إني وجدت الناس فى شدة ، فتصدقت بثمنه ، فقالت له: جزآك الله خيرا".

جهاد العلماء:

بعدما سقطت بغداد في أيدي التتار توجهوا بجحافلهم إلى مصر فهلع الناس ، وجبنوا ، وسادت الفوضى في صفوفهم ، بسبب ما سمعوه من أخبار التتار ووحشيتهم.. فقام العز ، ومن معه من العلماء ، يبثون فى قلوب أهل مصر الثقة ، ويحيون فى وجدانهم روح الجهاد ، ويوحدون صفوفهم وراء قادتهم.. ثم قال لهم العز: " اخرجوا ، وأنا أضمن لكم النصر ", وعندما طاب سيف الدين قطز الاقتراض من التجار لتمويل الجيش.. أصدر العز فتواه: " إذا طرق العدو بلاد الإسلام ، وجب على المسلمين قتالهم ، وجاز لكم أن تأخذوا من الرعية ما تستعينون به على جهادكم ، بشرط ألا يبقى في بيت المال شيء من السلاح ، والسروج الذهبية والفضية ، وإسقاط السيوف والفضة وغير ذلك ، وتبيعوا لكم من الحوائص الذهبية ، والآلات النفيسة.. ويقتصر كل جندي على سلاحه ، ومركوبه ، ويتساووا ، هم والعامة ، وأما أخذ الأموال من العامة مع بقاء ما في أيدي الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا ", وعندما امتثلوا أمره وتساوى الجندي مع القائد ، وشعر عامة الناس أنهم يد واحدة مع قادتهم فى وجه التحديات.. لا فرق بين غني وفقير ، ولا بين قوي وضعيف ، ولا بين حاكم ومحكوم.. انتصروا بإذن الله ، وأظهرهم الله على عدوهم.

سلطان العلماء:


عمر هذا الشيخ الجليل ثلاثا وثمانين سنة.. وكان قد تفقه على الشيخ فخر الدين بن عساكر.. وقرأ الأصول على الشيخ سيف الدين الآمدى ، وغيره ،وسمع الحديث من الحافظ أبي محمد القاسم بن الحافظ الكبير أبي القاسم ابن عساكر ، وشيخ الشيوخ عبد اللطيف البغدادي وغيرهم, ذكر العماد ابن الحنبلي في (شذرات الذهب) أن الشيخ " قد رحل إليه الطلبة من سائر البلاد ".. روى عنه تلامذته : شيخ الإسلام ابن دقيق العيد وهو الذي لقب الشيخ عز الدين " سلطان العلماء " والإمام الباجى ، والحافظ أبو محمد الدمياطي ، وغيرهم.

وللشيخ العز مؤلفات كثيرة قيمة ، فى الأصول ، والفقه ، والتفسير ، والتصوف ، والحديث ، والأخلاق.. ومن أهم ما كتب العز ، كتاب " قواعد الأحكام فى مصالح الأنام " الذي أورد فيه مئات المسائل ، وأدارها جميعا فى تحليلها أو تحريمها على قاعدة واحدة ، هي " المصالح المرسلة ".. متتبعا ما يحقق مصالح الناس ، فيجلب لهم منفعة أو يدفع عنهم مضرة.. فالشريعة في عمومها ، وفى روحها لم تنزل إلا من أجل ذلك.. فجعل مصالح الناس هي القاعدة التي يجب أن تدور عليها الأحكام ، وجودا وعدما.. يقول رحمه الله فى كتابه " قواعد الأحكام ".. ومن تتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ، ودرء المفاسد.. حصل له من مجموع اعتقاد أو عرفان.. بأن هذه المصلحة لا يجوز إهمالها ، وأن هذه المفسدة لا يجوز قربانها.. وان لم يكن فيها إجماع أو نص أو قياس خاص ، فان فهم نفس الشرع يوجب ذلك ، ومثال ذلك... أن من عاشر إنسانا من الفضلاء ، الحكماء ، العقلاء ، وفهم ما يؤثره ، ويكرهه فى كل ورد وصدر ، ثم سنحت مصلحة ، أو مفسدة لم يعرف قوله فيها ، فانه يعرف بمجموع ما عهده من طريقته ، وألفه من عادته.. أنه يؤثر تلك المصلحة ، ويكره تلك المفسدة.. ".

ومن كتب الشيخ المهمة أيضا ، كتابه الضخم " الإشارة إلى الايجاز فى بعض أنواع المجاز ".. عرض فيه لآيات القرآن، وما فيها من حذف أو مجاز أو كناية.. والكتاب في ثلاثة أبواب ، هي: الحذف ، والمجاز ، والكناية.. وبعد أن يفرغ من التمثيل لهذه الأبواب من آيات القرآن ، يأخذ في استعراض سور القرآن كلها ، وعلى ترتيبها بشرط أن يكون فيها شيء محذوف فيوضحه ويبينه ، وإذا كان يحتمل أكثر من محذوف ذكر ذلك ، وبين أقوال المفسرين ، ورأيه فيها.

وللشيخ أيضا كتاب " شجرة المعارف " ، وكتاب " الدلائل المتعلقة بالملائكة والنبيين عليهم السلام والخلق أجمعين ".. والتفسير (مجلد) ، و " الغاية فى اختصار النهاية " ، و" الإمام فى أدلة الأحكام " ، و" مختصر رعاية المحاسبي " ، و" الفتاوى المصرية " ، و " الفتاوى الموصلية ".. وغيرها.

ذاك هو العز.. فأين زمانه ؟!.

وأخيرا:

فنحن وإن كنا فى حاجة اليوم إلى قادة أمثال صلاح الدين ، وبيبرس ، وقطز ، والفاتح ، وقتيبة ، وعقبة ، وطارق.. وغيرهم فإننا أحوج ما نكون أيضا إلى علماء في حجم العز.. يمتلكون هذه المقومات التي ذكرناها من إباء وعزة واستعلاء وهيبة وشجاعة.. نحن أحوج ما نكون في زمان ضعفنا وذلنا وهواننا وفرقتنا إلى عالم رباني ، ملئ بالإيمان ، والقوة ، والجرأة.. مفعم باليقين والثقة بالله.. لا يقيم للدنيا ومتاعها ومناصبها وملوكها وزنا.. ولكن إذا حدث وظهر بيننا عالم يمتلك هذه المقومات ، ويتصف بتلك الصفات - وأظنه قد حدث - فهل سنقف بجانبه ، وندافع عنه كما دافع الناس عن العز ، وناصروه؟!, وهل سيكون موقف العلماء والملوك والأمراء منه اليوم موقفهم فى زمان العز؟!.





في الأخير تقبلوا تحياتي
khallil321 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-10-2013, 01:26 PM   #2
عضو مميز
 

افتراضي

يارب يجعلنا من امثالهم
احمد معنى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-11-2013, 05:14 PM   #3
مراقب عام على المنتديات
 
الصورة الرمزية MENOMAN
 

افتراضي

كل الشكر اخى الغالى على المجهود وفى انتظار كل جديد


تقبل خالص تحياتى
MENOMAN غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-19-2013, 05:49 AM   #4
صديق المنتدى
 
الصورة الرمزية Mr. Mahmoud
 

افتراضي

بارك الله بجهود ياغالي
لا تحرمنا من جديدك
وسلمت اناملك علي الطرح الراقي
Mr. Mahmoud غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-06-2013, 08:25 PM   #5
عضو سوبر
 
الصورة الرمزية tariq
 

افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بارك الله فيك وغفر لك ورزقك من حيث لا تحتسب
أحسنت وأحسن الرحمن إليك يا طيب
ربي يجازيك خير الجزاء ويجعلها بموازين حسناتك يارب العالمين
مجهودك طيب أخي الكريم
tariq غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-21-2013, 03:17 AM   #6
موقوف
 

افتراضي

موضوع متميز يا أخي
nedved1000 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-04-2013, 01:52 AM   #7
صديق المنتدى
 
الصورة الرمزية hosam1000
 

افتراضي

بارك الله فيك اخى الغالى
hosam1000 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
دوره مجانية فى فن التعامل مع العملاء – خدمة العملاء ahmedyousef21 قسم الاعلانات التجارية 0 06-05-2014 11:00 PM
التميز فى خدمة العملاء الاستراتيجية والتنفيذ - كيف تبنى ثقافة الارتقاء بخدمة العملاء samerkamel قسم الاعلانات التجارية 0 04-14-2014 04:46 AM
مواقف المرابطين في دفع بغي السلاطين abood الأدعية و الكتب والاسطوانات والتفاسير الاسلامية 2 07-29-2013 11:17 PM
الثلاثاء.. "جنح السلام" تبدأ محاكمة عصام سلطان بتهمة سب أحمد شفيق ابو ساره 2012 أخـــبار مصر ( ام الدنيا ) 3 06-12-2013 05:41 AM
أردوغان: «حريم السلطان» يشوه تاريخ السلاطين العثمانيين ابو ساره 2012 الاخبار العــالمية 4 03-15-2013 06:26 AM


الساعة الآن 08:33 PM


1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123