Loading...


العودة   ايجيبت سات > :: .. °° المنتــــــدى الأســــــلامى العـــــــام°° .. :: > المنتدى الأسلامى العام


المنتدى الأسلامى العام General Islamic Forum


إنشاء موضوع جديد  إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 06-25-2013, 04:14 PM   #1
صديق ايجيبت سات
 
الصورة الرمزية شادي1980
 


افتراضي حقوق الأخوة في الإسلام . لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي


حقوق الأخوة في الإسلام .لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون... انتهى موضوع الزكاة، وبانتهاء موضوع الزكاة نكون قد أنهينا في العبادات الصلاة، والصوم، والزكاة، وكنَّا قد تحدَّثنا عن الحج عدَّة مرَّاتٍ في سنواتٍ سابقة وتحدَّثتُ عن الحج في هذا العام في الخُطَبْ الأسبوعيَّة، وكنَّا من قبل ذلك قد أخذنا موضوع النكاح وهو من أبرز الموضوعات الشخصيَّة، وبقينا فيه أكثر من سنة ونصف تقريباً، وكنَّا قبل هذه الموضوعات قد أخذنا المُعاملات كل هذا من كتاب فقه السُنَّة، وأنا في صَدد أن نبدأ موضوعاً جديداً لم نأخذه من قبل وهو موضوع العقائد، بدل كتاب الفقه في الدرس القادم إن شاء الله سنبدأ بالحديث عن العقائد الإسلاميَّة الصحيحة، وربَّما اخترنا كتاباً من أوثق الكُتُبِ في موضوع العقائد، وقد نمضي فيه مدَّةً طويلةً، لأن موضوع العقائد هو الموضوع الأوَّل في الإسلام، لأنه إذا صَحَّت العقيدة صَحَّ العمل، وإذا فسدت فسد العمل، وسوف نتابع إحياء علوم الدين ونحن الآن في الجزء الثاني منه، وربَّما أضفنا في دروسٍ قادمة بعض قصصٍ من السيَر النبويَّة، أو من سير الصحابة والتابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
فدرس الأحد نختار فيه فصلاً من كتاب العقائد، وفصلاً من إحياء علوم الدين، وبعضاً من سِيَرِ النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه والتابعين.
والآن إلى إحياء علوم الدين لنُنْهي الحقوق التي تجب على الأخ الذي يعقد أخوَّته مع أخٍ في الله.
وصلنا في الحقِّ السابع الذي عنوانه الوفاء والإخلاص، وعرَّفنا معنى الوفاء بأنه الثبات على الحبِّ وإدامته إلى الموت وبعد الموت مع الأولاد والأصدقاء، وإنما الحب بين الأخوين في الله إنما يُراد للآخرة وليس للدنيا، ووصلنا إلى أن من الوفاء أن لا يتغيَّر حال الأخ مع أخيه في التواضع وإن ارتفع شأنه.
فالإنسان في الدنيا قد ينتقل من مكانٍ إلى آخر، من منصب إلى آخر، من عمل إلى آخر فإذا ارتفع شأنه فمن باب الوفاء مع إخوانه في الله أن لا يبتعد عنهم، وأن لا يزوَّرَّ عنهم، وأن لا يرى نفسه فوقهم، فمن صفات الكرماء المؤمنين أنه هو هو مع إخوانه، ومن صفات المنقطعين عن الله عزَّ وجل أنه إذا ارتفعت مكانته نسي إخوانه.
فالتَرَفُّع عن الإخوان بما يتجدَّد من الأحوال لؤمٌ، أي أن أحد أنواع اللؤم أن تترفَّع عن إخوانك إذا عَلَت منزلتك، سيدنا رسول الله اللهمَّ صلي عليه حينما فَتَحَ مكَّة، ودانت له الجزيرة العربيَّة بأكملها، وخضعت له القبائل، وصار قمَّة هذا المجتمع الجديد، خشي الأنصار رضوان الله عليهم أن يؤثر النبي عليه الصلاة والسلام البقاء في مكَّة، بلده، فلمَّا أعلنوا عن قلقهم قال:

((إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ فَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ قَالَ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَبْكُونَ وَيَقُولُونَ وَاللَّهِ مَا قُلْنَا الَّذِي قُلْنَا إِلا الضِّنَّ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ وَيَعْذُرَانِكُمْ ))

( مسند أحمد: عن " أَبُو هُرَيْرَةَ " )

((لو سلك الناس فجَّاً وسلكت الأنصار فجَّاً لسلكت فَجَّ الأنصار، اللهمَّ ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناءِ الأنصار))

هذا هو الوفاء، لمَّا وصل النبي الكريم إلى مكَّة فاتحاً تنازع أصحابه في أي بيتٍ سيبيت فقال:

((انصبوا لي خيمةً عند قبر خديجة))

وفاءً لهذه الزوجة التي صَدَّقته حين كذَّبه الناس، وقامت معه لمَّا قعدوا، وواسته بمالها، وحدبت عليه بعطفها، وأيَّدته وآمنت به، وكان وحده، قال:

((انصبوا لي خيمةً عند قبر خديجة))

فيكاد يكون الوفاء خُلُقَ المؤمن الأول، الوفاء لإخوانه، لمن كانوا معه ساعة العسرة، لمن كانوا معه في ساعة الشدَّة، ولا يتكبَّر على أخٍ إذا عَلَت منزلته إلا لئيم، قال الشاعر:
إنَّ الكرامَ إذ ما أيسروا ذكروا من
كان يألفهم في المنزل الخشنِ


* * *

وهذا الذي يتزوَّج امرأةً وتصبر عليه، فإذا أغناه الله بَحَثَ عن أُخرى، هذا والله عين اللؤم، رضيت بكَ حينما كنت فقيراً فلمَّا اغتنيت لم ترض بها ؟! قد يلقى الله وهو عليه غضبان.
وأوصى بعض السَلَف ابنه فقال:

(( يا بني لا تصحب من الناس إلا من إذا افتقرت إليه قَرُبَ منك، وإذا استغنيت عنه لم يطمع فيك، وإن عَلَت مرتبته لم يرتفع عليك ))
وقال بعض الحكماء:
((إذا ولي أخوك ولايةً فَثَبَتَ على نصف مودَّته لك فهو كثير ))
صديقين عاشا أيَّام الصِبا، وكانا يحييا حياةً خشنة، فقال أحدهما للآخر: لو أنك تَسَلَّمت منصباً رفيعاً هل تذكرني ؟ "، قال: أعوذ بالله أنا لا أنساك أبداً، قال: وكيف ألتقي بكَ ؟ قال: قِفْ لي أمام هذه الشجرة .. عيَّن له شجرة في المدينة.. فلمَّا دارت الأيام وتسلَّم أحدهما منصباً رفيعاً صار هذا الصديق الأخ يقف عند الشجرة، فتقع عين صديقه عليه فلا يُسَلِّم عليه فلمَّا أُزيح عن منصبه التقى به، قال: ألم تكن ترني ، قال: " والله لم أكن أرى الشجرة كلَّها " ليس أنت بل لم أكن أرى الشجرة، فالإنسان قد يكون في عمى، لذلك قال بعض الحكماء: إذا ولي أخوك ولايةً فثبت على نصف مودَّته لك فهو كثير.
وحكى الربيع أن الشافعي رحمه الله آخى ببغداد رجلاً، ثمَّ إنَّ أخاه ولَّي ولايةً له، فتغيَّر له عما كان عليه، آخى رجل هذا الرجل تسلَّم ولايةً فتغيَّر له، فكتب إليه الشافعي بهذه الأبيات بعث إليه برسالة وقال:


اذهب فودُّك من فؤادي طالقٌ أبداً وليس طلاق ذات البين
فإن ارعويت فإنها تطليقةٌ ويدوم ودُّك لي على سنتين
وإن امتنعت دفعتها بمثالها فتكون تطليقين في حيضين
وإذا الثلاث أتتك مني بتَّةً لم يغن عنك ولاية السيبين


* * *

هذه أول نقطة، أي أن من الوفاء هو إذا ارتفعت أنت أن لا تنسى أخاك الذي كان في أيَّام ضيقك وفقرك.
النقطة الثانية: واعلم أنه ليس من الوفاء أن توافق أخاك فيما يخالف الحق في أمرٍ يتعلَّق بالدين، ليس من الوفاء أن تسكُت عن معصيته، ليس من الوفاء أن توافقه على معصية، ليس من الفاء أن تعرف أن دخله حرام فلا تنصحه، ليس من الوفاء إذا ضَيَّع فرض صلاةٍ أن تسكت عنه هذه خيانة، من وفائك لأخيك المؤمن أنه إذا انحرف أو أخطأ أو قَصَّر أن تنبِّهه وأن تُذَكِّره من دون أن يكون هذا أمام ملأٍ من الناس لأن في هذا تشهيراً وليس في هذا نصيحةً.
بل من الوفاء له المخالفة، فقد كان الشافعي رضي الله عنه آخى محمَّد بن عبد الحكم وكان يقرِّبه ويقبل عليه، ويقول:

((ما يقيمني بمصر غيره))
فاعتلَّ محمدُ، فعاده الشافي رضي الله عنه فقال:
مرض الحبيب فعدته.. فمرضت من حذري عليه
وأتى الحبيبُ يعودني.. ... فبرئت من نظري إليه

* * *

أي شفيته، ظنَّ الناس لصدق هذه المودَّة وتمامها أنه يفوِّض أمر حلقته إليه بعد وفاته، لما بينهما من مودَّة، فقيل للشافعي في عِلَّته التي مات فيها: إلى من نجلس بعدكَ يا أبا عبد الله ؟ أي من خليفتك ؟ فاستشرف أبو محمد، محمد بن عبد الحكم، استشرف أي ارتفع، وبَيَّن وظهر أمام تلامذة الشافعي، وهو عند رأسه ليومئ إليه، فقال الشافعي:
(( سبحان الله أَيُشَكُّ في هذا ؟ أبو يعقوب البويطي ))
كانت كالقنبلة، مفاجأةٌ كبيرة، كل الناس يظنُّون أنه سَيُخَلِّفُ من بعد محمد بن عبد الحكم، فانكسر لها محمد، ومال أصحابه إلى البويطي، مع أن محمداً كان قد حمل عنه مذهبه كله، لكن هذا الذي خَلَّفه من بعده كان أقرب إلى الزُهد والورع، فنصح الشافعي لله وللمسلمين وترك المداهنة، ولم يؤثِّر رضى الخلق على رضى الحق، فلمَّا توفي انقلب محمد بن عبد الحكم عن مذهبه ورجع إلى مذهب أبيه، ودرس كتب مالكٍ رحمه الله.
هذه النصيحة، أي من تمام الوفاء أن لا توافق أخاك على شيءٍ لا يرضي الله أبداً المقصود من هذا أن الوفاء بالمحبَّة من تمامها النصح لله تعالى.
قال الأحنف: ((الإخاء جوهرةٌ رقيقة إن لم تحرسها كانت معرَّضةً للآفات، فاحرسها بالكظم حتَّى تعتذر إلى من ظلمك، وبالرضا حتَّى لا تستكثر من نفسك الفَضلَ، ولا من أخيك التقصير)) أي أن الإخوَّة جوهرة رقيقة سريعة العطب، احفظها من أن تنكسر بالانتقاد، أو بالشعور بأنك ممتنٌّ عليه، أو بإحساسك أن أخاك مقصِّراً في حقِّك، أو أنه إذا أساء إليك اعتذر عنه حفاظاً على هذه الجوهرة.
ومن آثار الوفاء بل من آثار تمام الوفاء أن تكون شديد الجزع من المفارقة، نفور الطبع عن أسبابها، كما قيل:
وجدت مصيبات الزمان جميعها سوى فرقة الأحباب هينة الخطب
فرقة الأحباب من أشدُّ أنواع المصائب في الدنيا.
قال ابن عُيينة:

(( لقد عهدت أقواماً فارقتهم منذ ثلاثين سنةً ما يُخَيَّلُ إلي أن حسرتهم ذهبت من قلبي ))
الأخ الراقي، الأخ الوفي، المؤمن، الصادق، المحب، المتواضع، هذا إذا فارقك فإن حسرةً سوف تلسع القلب.
الآن من الوفاء أيضاً أن لا تستمع إلى أقوال الناس في صديقك، لاسيما من يُظْهِرُ أولاً أنه محب، فالناس يفسدون هذه العلاقات على الشكل التالي: يقول لك من أصدقاؤك ؟ تقول له: فلان صديقي، والله إنسان طيِّب، والله أحسنت الاختيار، نِعِمَّ هذا الصديق، حينما يمدحه لك تنسَر، تستأنس، يقول لك: فعلاً صديق جيد، وفي، أخلاقه عالية، سبحان الله لكن من يومين وجدت له موقف أحزنني، سبحان الله وجدت له موقف ما كنت أصدِّقه عنه، تقول له: غير معقول، ماذا فعل ؟ يقول لك بعض عيوبه، هذا اسمه فخ، حينما أثنى عليه من أجل أن تصغي إليه، لو بدأ بهذه المنقصة لما استمعت إليه، من أجل أن يضمن أن تستمع إليه بدأ بالثناء وثنىَّ بالنقد، فمن تمام الوفاء لصديقك أن لا تستمع إلى أقوال الناس فيه.
فذلك من دقائق الحيل في التضريب، ومن لم يحترز منه لم تدم مودته أصلاً.
قال بعضهم: جاء رجل إلى حكيم فقال:

((قد جئتك خاطباً ودُّكَ))
قال:
((إن جعلت مهرها ثلاثاً فعلت))
مودَّتي لها مهر. قال:
(( ما مهرها ))
قال:
((أنلا تسمع عليّ بلاغةً، ولا تخالفني في أمر، ولا تغُشَّني في نصيحة ))
لا تستمع علي شيئاً ولا تخالفني في أمر ولا تغشَّني في نصيحة.
الآن من الوفاء أن لا تصادق عدوَّ صديقك، لك عدوٌ لدود، يتكَّم عنك أشياء غير صحيحة، يلفِّق عليك، صديقك المُحِب الوفي يصادقه، سيدنا عليٌّ رضي الله عنه قال: " أصدقاؤك ثلاثة: صديقك، وصديق صديقك، وعدوِّ عدوِّك، وأعداؤك ثلاثة: عدوُّك، وصديق عدوِّك، وعدوُّ صديقك ". فالإنسان ليس له حق يصاحب عدو صديقه لأن هذا من عدم الوفاء هذا هو الحق السابع، بقي الحقُّ الثامن والأخير.
الحقُّ الثامن عنوانه: التخفيف وترك التكلُّف والتكليف وذلك بأن لا يكلِّف أخاه ما يَشُقُّ عليه، نحن غداً إن شاء الله سنأتي لنتغدَّى عندك، سمِّكها، ما هذا ؟ هذا تكليف، الإنسان بين عُسر ويُسر، بين ضيق وتوسعة، قد يكون غير مشغول، قد تكون امرأته مريضة، قد يكون في بيته مشكلة، قد يكون ميسور الحال، أخي فلان الله عزَّ وجل ميسِّر عليه أموره، صحيح لكن قد يكون عنده في البيت مرض، زوجته قعيدة الفراش، من يطبخ ؟ قد يكون في مشكلة فأحياناً في البيت تجد مشكلات، ابنته مخطوبة والخطيب لم يظهر، يا ترى وافقوا لم يوافقوا مشوَّشين، في تشويش في هذا البيت، أخي غداً الغداء عندك، سمِّكها، التخفيف وترك التكلُّف والتكليف.
بالعكس يجب أن تخفِّف عنه، يجب أن لا تحمِّله عبأً، يجب أن لا تستمدَّ من ماله ولا من جاهه، يجب أن لا تكلِّفه التواضع لك والتفقُّد لأحوالك، والقيام بحقوقك، لا تكلِّفه، أخي أنا أليس لي حق عليك ؟ اعزمنا ؟ أنت تكلِّفه بما لك عليه من حق، أنا ألم أعمل لك عزيمتين سابقاً؟ يظهر لم يبينوا معك ؟ هذا تكليف، يجب أن تحبَّه لله تعالى فقط، كلَّما كان إيمانك أرقى كانت مؤنَتُك أخف، لو عامل له ثلاثين عزيمة لا تطالبه بأي بعزيمة، لو خادمه مليون خدمة، ألم تخدمه لله ؟ انتهى الأمر..


((اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله، فإن أصبت أهلَه أصبت أهلَه وإن لم تصب أهله فانت أهلُه))
أنت ألم أهدك هديَّة قديماً بمناسبة زواجك ؟ أنا جاء لي مولود ولم تهدني يا أخي، أنت هكذا تطالبه بحقوق وقد يكون هو في عسر، قد يكون ما معه ثمن الهديَّة.
فملخَّص الكلام أنه إذا كان لك أخٌ في الله يجب أن تخدمه لله، من دون أن تنتظر أن يردَّ عليك بخدمةٍ مشابهة، يجب أن لا تستغل مودَّته بأخذ ماله، ولا استعارة جاهه، ولا أن تكلِّفه ما لا يطيق، ولا أن تكلِّفه أن يتفقَّد أحوالك، ولا أن يفي بحقوقك، هذا كلُّه من ضَعْفِ الإيمان، أنا ذاهب إلى المكان الفلاني هل تريد شيء ؟ نعم والله انتظر قليلاً عندي قائمة، أعطاه قائمة تحتاج إلى شغل خمس ساعات، هذا أخونا ذاهب إلى محل يمكن يكون معه بضاعة، أنت بهذا كلَّفته شيء فوق طاقته، لا تكلِّف أحد شيء، قل له: والله ممنون جداً شكراً، لا تكلِّف، يكون واحد ذاهب إلى مشوار يجد التكاليف صارت فوق طاقته، تحتاج وقت عشرة ساعات وهو ذاهب ليوم واحد، صار الحجم غير مقبول، واحد مسافر إلى بلد فأعطوه أغراض تحتاج إلى حقيبتين، هو له عشرين كيلو، والدفع بالعملة الصعبة، هذا غير معقول، لا تُكَلِّف أحد فوق طاقته.
أمَّا لك أن تُكَلِّفه أن يدعو لك، هذه مقبولة، لك أن تكلِّفَه أن يدعو لك، لك أن تستأنس بلقائه، لك أن تستعين به على أمر دينك، أخي أدعو لنا، هذا من حقِّ الأخوَّة، والله أنا آنس بك لو تزورني، تدعوه لزيارتك، أو زره، أو استعن به على أمر دينك، هذا مباح.
تقرَّب إلى الله بخدمته، تقرَّب إلى الله بأداء حقوقه، تقرَّب إلى الله بتحمُّل مؤنته، هذا هو الأخ في الله، قال بعضهم: ((من اقتضى من إخوانه ما لا يقتضونه منه فقد ظلمهم)) لك محل وله محل، زرته على محلَّه اشتريت حاجة فقال لك: ليست بحاجة، ليس لها قيمة خذها، الثاني لم يزرك إلى محلَّك ولم يأخذ شيء أبداً بدون مقابل، إذاً أنت اقتضيت منهم ما لا يقتضونه منك، ليس هذا من أخلاق المؤمن..


(( من اقتضى من إخوانه ما لا يقتضونه فقد ظلمهم، ومن اقتضى منهم مثلما يقتضونه فقد أتعبهم ))
أنت خدمته خدمة، بعد جمعتين كلَّفته بخدمة مشابهة، أتعبته، إذاً هذه عمليِّة دين ووفاء صارت، لم تفعل هذا لله..
((من اقتضى من إخوانه ما لا يقتضونه فقد ظلمهم، ومن اقتضى منهم مثل ما يقتضونه فقد أتعبهم، ومن لم يقتضي فهو المتفضِّل عليهم ))
اخدمهم وإذا كان بالإمكان أن لا تطالبهم بشيء فافعل، فقد تفضَّل عليهم، وقال بعض الحكماء:
(( من جعل نفسه عند الإخوان فوق قدره أثِمَ وأثِموا))
اللهمَّ صلي عليه هل في الأرض من هو أرقى منه ؟ هل في الأرض من هو أكمل منه ؟ من هو أقرب إلى الله منه ؟ من هو أعظم منه ؟ لا، كان مع أصحابه، أرادوا أن يذبحوا شاةً ليأكلوها، قال أحدهم: عليَّ ذبحها، قال الثاني: عليَّ سلخها، قال الثالث: عليَّ طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام:
((وعليَّ جمع الحطب ))
يا رسول الله نكفيك ذلك، قال:
((لا إن الله يكره أن يرى عبده متميِّزاً على أقرانه))
يكون واحد تافه يذهب نزهة مع إخوانه فيقول لهم: أنا تعبان أريد أن أرتاح، يشتروا الأكل، ويطبخوا، ويقدِّموا الطعام، تفضَّل، يستيقظ ويأكل نعرف أنك تعبان !! يأكل وينسحب كأنه غير مكلَّف بشيء، في ناس مكلَّفين بالخدمة، وبغسيل الأطباق، ليس هذا من أخلاق المؤمن، إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام سيِّد الخلق وحبيب الحق، قال:
(( إن الله يكره أن يرى عبده متميِّزاً على أقرانه ))
سيدنا الصديق رضي الله عنه وقع زمام ناقته وأصحابه حوله، فنزل من على ناقته ليلتقط الزِمام، عجب أصحابه، يا خليفة رسول الله نكفيك ذلك ، قال: " لا سمعت حبيبي رسول الله يقول:
((لا تسألوا الناس شيئاً ))
فأحياناً الواحد يكون مريض قعيد الفراش، إذا كلَّف أخوه بحاجة هذا شيء مشروع، أما ما دام بقوَّته، اقضي حاجتك بيدك فهذا شكر قوَّتك..


(( برئ من الكبر من حمل حاجته بيده ))

((برئ من النفاق من أكثر من ذكر الله ))

((برئ من الشُحِّ من أدَّى زكاة ماله ))
سيدنا رسول الله اللهمَّ صلي عليه في معركة بدر عندماً وجد الرواحل قليلة قال:
(( كل ثلاثة على راحلة، وأنا وعليٌ وأبو لبابة على راحلة ))
ركب النبي على راحلته، انتهت نوبته في الركوب، جاء دور عليٌّ وأبي لبابة فتوسَّلا إليه أن يبقى راكباً، رسول الله ابقى راكباً، قال: لا .
قدم رسول الله لعدي بن حاتم الطائي وسادة من أدمٍ محشوَّةً ليفاً، قال لعدي:

((اجلس عليها ))

قلت: بل أنت ، قال: بل أنت ، قال: فجلست عليها وجلس هو على الأرض اللهمَّ صلي عليه، هذه النبوَّة.
من جعل نفسه عند إخوانه فوق قدره أثِمَ وأثِموا.. أثمَ لأنه رفع نفسه فوقهم، وأثِموا لأنهم لم ينصحوه، أوهموه أنه هو بهذا المستوى، ما دام إخوان من نفس المستوى فليقولوا له: قم عاونا، إذا سكتوا معنى هذا أنه من غير المستوى، أوهموا.. أثِمَ وأثِموا، ومن جعل نفسه في قدره تعب وأتعبهم، ومن جعلها دون قدره سَلِمَ وسلِموا.. أعطي مكان دون قدرك أريح لك وإن أحَب أكثر، وتمام التخفيف طيُّ بساط التكليف، حتَّى لا يُستحيا منه.
قال الجنيد:


((ما تواخى اثنان في الله فاستوحش أحدهما من صاحبه أو احتسم إلا لعلَّةٍ في أحدهما ))

أبشع عادة بالأسر مثلاً يدخل الصهر إلى بيت عمِّه يرحِّبوا فيه، يحترموه، يدلِّلوه كذلك هو يتأدَّب معهم، يذهب إلى البيت فيقول لزوجته: الجبنات مالحين زيادة، والزيتونات كانوا قليل في الصحن، والبيض مقلي ليس بالسمن البلدي بل مقليَّة بسمن نباتي، ينتقد هذا الطعام لزوجته، تخجل، وتعاتب أمها، يظهر التكلَّف، معنى هذا أنه ينتقد، معنى هذا أنه يراقبنا مراقبة دقيقة جداً، يصير هناك جفاء، إذا كنت بطل لا توجد حالتين بل حالة واحدة، في تكلُّف لا تزورهم، تحبُّهم ارفع التكلُّف، هكذا المؤمن، انتقاد، تكون الزوجة مسكينة فتتحطَّم، زوجها ينتقد أهلها، تدافع عن أهلها يقول لها: لا تدافعي، ألم أقل لكِ أن أهلك ما فيهم ذوق، شيء يحيِّر، إن سكتت يقم ويزودها، وإن دافعت يمنعها من المدافعة، هذه كلها أخلاق الجهل، أخلاق الجاهليَّة..

((إن الله يحبُّ معالي الأمور ويكره سفسافها ))
والله الذي لا إله إلا هو لا يتعلَّق بالسفاسف مؤمن، هذه سفاسف.
أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام تمرةٌ كانت تَسُدُّ رمقهما، وضع لك العشاء، فمعنى هذا أنك غالي عليه، هذا الذي عنده، كأن هناك فواكه لم يضعوها لي، في البراد أن رأيتهم، فتحت لأحضر الماء فرأيتهم في البراد، ما هذا الصهر القراضة ؟

((ما تواخى أخان في الله فاستوحش أحدهما من صاحبه أو احتسم إلا لعلَّةٍ في أحدهما))
وقال عليٌّ رضي الله عنه: " شرّ الأصدقاء من تكلَّفت له " هذا شر الأصدقاء.
كان لي صديق يحضر من بلد مجاور فيحضر مجلس علم، ينام عندي أحياناً، والذي عندك تقدِّمه، تجد أنه مسرور جداً، لو طرق بابي دائماً لا أنزعج أبداً، ظله خفيف، الموجود أضيفه منه، ينام بالمكان المُتاح، الطعام الموجود أضيفه فيه، لا أشعر بثقل أبداً من مجيئه لأنه رافع التكليف، كنت أزوره في بلده الشيء نفسه يفعله، الموجود يضعه لي، هكذا المودَّة تدوم أحياناً يكون هناك سهرات، هذا وضع كاسة شاي، وثاني مرَّة وضع كعكة وشاي، ثالث مرَّة أرز بحليب، رابع عمل قشطة، وبعد هذا عشاء، وبعد هذا عشاء وحلويات، وبعد هذا وقف الدور، التغى الدور كله، غير معقول يستمر هذا، اجعل الموضوع عادي جداً، اجعل اللقاء هو أهم شيء، اللقاء هو الأهم، التكلُّف يمنع الألفة، لا تتكلَّف، كن طبيعي، تتكلَّف مرَّة فلن تستطيع أن تعيدها مرَّة ثانية، وإذا تكلَّفت هذا المرَّة قد يكون الذي أكرمته دخله محدود لا يتحمل أن يقدم لك مثل هذا العشاء، هذا العشاء سيُذْهِبْ بنصف معاشه، أنت أذيته وقطعت علاقته معك كن طبيعي، عندك قهوة قهوة، ما عندك شاي، القهوة صارت غالية، ما كان عندك قهوة ضع شاي، ما في شاي ضع مليسة، سكرة، قدم سكر، عندك قدِّم، اجعل القضيَّة من دون تكلُّف هذا الذي يديم المودَّة.. شرُّ الأصدقاء من تكلَّفت له ومن أحوجك إلى مداراةٍ.. يقول لك: نؤذي لا يتحمَّل كلمة. وألجأك إلى اعتذارٍ.. ثلاث صفات:

(( شرُّ الإخوان من تتكلَّف له، ومن يحوجك إلى مداراةٍ، ومن يحوجك إلى اعتذارٍ))

معنى هذا الأخ الراقي لا تحتاج أن تتكلَّف له ولا أن تعتذر إليه، يعرفك محب انتهى، والله أنا لم أقصد هذه الكلمة، أنت تكون غضبت، على كل حال مشي الحال، تجد أنه يكسِّر ويقول: مشي الحال، أتحبُّه ويحبُّك انتهى الأمر، أما هذا التدقيق هذا من صفات الجاهليين، قال له:

((يا ربي أنا ربُّك وأنت عبدي))

بدوي ضيَّع ناقته فوجدها فمن فرحته أخطأ، قال له:

(( يا ربي أنا ربُّك وأنت عبدي))

فربنا عزَّ وجل قال:

(( للله أفرح بتوبة عبده من ذلك البدوي بناقته ))
في شخص حقود لا يمررها، أبداً، يقول لك: أنت تكلَّمت هكذا بزمانك لا أنساها لك هذا شرُّ الأصدقاء من تكلَّفت له، وأحوجك إلى مداراةٍ، وألجأك إلى اعتذار.
وقال الفضيل:

((إنما تقاطع الناس بالتكليف))
قلت لكم ذات مرَّة: إن دور استمرَّ سبعة عشرة عاماً، كل يوم ثلاثاء، استغربوا لأن الأدوار كلها تنتهي بعد سنة سنتين، اقصى شيء سنة، فالتكلُّف يقطعها، سبعة عشرَ عاماً قال واحد: ما سبب ذلك ؟ قال: لا في غيبة، ولا في نساء، ولا في تَكَلُّف، لا تكلُّف ولا غيبة ولا نساء، إذا في نساء انتهى، حرام صار، في معصية، اختلاط صار، تطلعتي فيه زيادة، والله لم أتطلع فيه، يعمل لها مشكلة في المساء، أنت عينك عليها، شيء يقرِّف، هذه علاقات أهل الدنيا، أما المؤمنين ما في عندهم اختلاط، لا يعرف أحد.. إنَّما تقاطع الناس بالتكليف.. يزور أحدهم أخاه فيتكلَّف له فيقطعه ذلك عنه.
وقالت عائشة رضي الله عنها:

((المؤمن أخو المؤمن لا يغتنمه))
ما معنى يغتنمه ؟ أي يستغلُّه، يقول: هذا مُدْهِن، ترفَّع ترقى عند الله، الذي أعطاه يعطيك، إيَّاك أن تجلس إليه فتذلَّ نفسك أمامه..
((لا يغتمنه ولا يحتسمه))
كذلك يجلس بوقار فوق الحد المعقول، خذ راحتك قليلاً وانفرد، هذا أخوك.
وقال الجنيد:

(( ما تواخى اثنان في لله واحتسم أحدهما من صاحبه أو استوحش إلا لعلَّةٍ في أحدهما))
قال لي واحد البارحة، ركب معي، حكيت له حديث قدسي فدمعت عينه وقال لي: الله يجزيك الخير، ركبت معك وآنستني بهذا الحديث، قلت له: والله شيء طبيعي ماذا نتحدَّث إذاً ؟ قال لي: البارحة ركبت مع واحد على قدر ما استعلا بسيَّارته وعلى قدر ما تكبَّر ونظر لي شزراً، قال لي: والله هممت مرَّات عديدة لأقول له: قف لأنزل، لم أتحمَّل، ما تكلَّم ولا كلمة، لأنه ركَّبه بالسيارة وأوصله، هذا الكبر أعوذ بالله، الإنسان..
وانظر إلى الأكحال وهي حجارةٌ لانت فصار مَقَرُّها في الأعينِ


* * *

والله يا أيها الإخوة الأكارم... على القدر ما تواضعت تعلو عند الله وعند الناس والمتكبِّر محتقرٌ في نظر الله، لا توجد صفة أبشع من التكبُّر، على ماذا ؟ من أنت ؟ نطفةٌ أولك وجيفةٌ آخرتك، بعد الموت، وأي غلطة في حياتك تجد أن الإنسان فقد حواسّه، بحصة في الكلية لا تنام منها الليل، ويطلب لك اسعاف.
وقيل لبعضهم: " من نصحب ؟ "، قال:

((من يرفع عنك ثِقَل التكلُّف وتسقط بينك وبينه مؤنة التحفُّظ))
التحفُّظ كذلك مشكلة، أنت تكون خائف أن تتكلَّم بكلمة فينتقدك عليها، ما هذه الحياة ؟ ما هذه الصداقة والمودَّة، خائف، تكلَّمت بكلمة رأيت أنه كن، هل هناك شيء ؟ لا، لا يوجد، زعلت مني ؟ لا لم أزعل، تجد الواحد خائف يزعل، العوام يعبِّروا عنه بأنه نؤذي، سويْعاتي، أما المؤمن لا يوجد عنده هذا، ما دام وقعت المحبَّة ارتفع التكلُّف، ذكر اسمك ولم يقل أستاذ، لم يوقِّرني ولم يعرف قيمتي، نسي يقول لك أستاذ، ما قال لك: أبو فلان، لماذا غضبان كل هذا ؟ الله عزَّ وجل ذكر كنية واحدة في القرآن الكريم فقال:


﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1)﴾

( سورة المسد )
ما ذكر غيرها، أما يا يحيى، يا زكريا، يا عيسى، أحبابه الأنبياء بأسمائهم أما عدوه بكنيَّته..


﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1)﴾
واحد ما أحب أن يقل لك: أستاذ فقال لك باسمك، قال لك: أبو فلان، ما شي الحال، نسي اسم ابنك فقال لك باسمك، كذلك التحفُّظ يقطع المودَّة.
جعفر الصادق رضي الله عنه يقول:

(( أثقل إخواني علي من يتكلَّف لي وأتحفَّظ منه واخفُّهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي))
واحد ذهب إلى مشوار فأخذ معه رفيقه ماذا أخذت معك ؟ والله عندنا قليل من البرغل فأخذناهم مع صحن مخلَّل، والله كثير طيب، أكل معك، فعلامة الصديق الناجح من إذا كنت معه كأنك وحدك، زارك ضيف، إذا كان هذا الضيف فيه تكُّلف يجب أن تلبس، لا تقدر، لابس روب أبيض نظيف استقبلته فيه ما الذي حصل ؟ أخي ما عرف قيمتي، ما ذهب ولبس، لقيت شحاطة أخذتها بسرعة فكانت بلاستيك، ما عنده واحدة ثقيلة للضيوف، أخي تطلَّع شحَّاطته بلاستيك كيف يستقبتني فيها ؟ استقبلك فيها ما الذي حصل ؟ إذا تطلع بوجهه طلعت شحَّاطته ؟!.. أثقل إخواني عليّ من يتكلَّف لي وأتحفَّظ منه، وأخفُّهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي " هذا أعظم أخ.
وقال بعض الصوفيَّة:

(( لا تعاشر من الناس إلا من لا تزيد عنده بِدِرٍ، ولا تنقص عنده باثمٍ، يكون ذلك لك وعليك وأنت عنده سواء، وإنما قال هذا لأن به يتخلَّص عن التكلُّف والتحفُّظ ))
إذا واحد نام عند صديقه فاستيقظ بعد الشمس، يجب أن تعذره، فهو متعب، أين صلاة الصبح أذهبتها ؟ هكذا المؤمن ؟ فاستحى على حاله، و لن يزورك أبداً، الإنسان تصير معه، النبي مرَّة صلاها لكي يعلِّمنا أنه ممكن واحد لأمر قاهر إذا نائم الساعة الثالثة نمت تصير أحياناً الابن لا ينام، استيقظ فرأى الشمس طالعة، لا تتكلَّم ولا كلمة، لأن هذا يصير معك أيضاً.
قال بعضهم:

(( كن مع أبناء الدنيا بالأدب، ومع أبناء الآخرة بالعلم، ومع العارفين كيف شئت"))
مثلما تريد لأن التكلُّف مرفوع.
لا تصحب إلا من يتوب عنك إذا أذنبت، ويعتذر إليك إذا أسأت، و يعتذر إليك إذا أسأت هو الذي يعتذر عنك، أحياناً تخدم واحد وتقول له: لا تؤاخذنا، كيف لا آخذك أنت الذي خدمتني آخذ على لسانه لا تآخذنا من تواضعه، يخدمك ويقول لك: لا تآخذني من كرم أخلاقه، إذاً:

((لا تصحب إلا من يتوب عنك إذا أذنبت، ويعتذر إليك إذا أسأت، ويحمل عنك مؤنة نفسك ويكفيك مؤنة نفسه))
رجل قال للجنيد: " قد عزَّ الإخوان في هذا الزمان.. لم يبقَ أخ صديق وفي.. أين أخٌ لي في الله ؟ "، الجُنيد أعرض عنه حتى أعاده ثلاثاً، فلمَّا أكثر، قال له الجنيد:
(( إن أردت أخاً يكفيك مؤنتك ويتحمَّل أذاك فهذا لعمري قليل، وإن أردت أخاً في الله تحمل أنت مؤنته وتصبر على أذاه فعندي منهم الكثير))
لا تقل لا يوجد، الإخوان في الله كثير، ولكن لا تطلب منه يخدمك ويتحمَّل أذاك، إذا كنت تريد واحد تخدمه وتتحمَّل أذاه يوجد منه كثير، ما أكثرهم فسكت الرجل.
فهذا الموضوع له تتمَّة طويلة ننهيها في الدرس القادم إن شاء الله، على كلٍ أنا متأكِّد أنكم في أثناء الدرس تستفيدون من هذه المعلومات، ولكن لو أن أحداً منكم سأل نفسه بعد شهر عن هذا الموضوع.. عن الحق الثامن.. كم يذكر منه ؟ أغلب الظن لا يذكر شيئاً، إذاً العلم يحتاج إلى مُدارسة، فإذا واحد عنده وقت فراغ واشترى هذا الكتاب وبدأ يراجع الذي يسمعه، القراءة المتكرِّرة مع التجارب اليوميَّة هذا ربَّما يقلب هذه الحقائق إلى سلوك، إلى عادات، إلى خُلُق فالمقصود ليس إعطاء معلومات، العلم في حدِّ ذاته لا قيمة له إلا إذا طُبِّق، مهما أتحفتكم بأفكارٍ دقيقة من هذا الكتاب، والله الذي لا إله إلا هو لا وزن لها عند الله أبداً ما لم تنقلب إلى أخلاق تعيشونها، وعادات تتبعونها.
فلذلك الإنسان إذا أراد أن يكون طالب علم حقيقي، عندما كنَّا في الجامعة كان عندنا نظام للاستماع وطالب نظامي، بقي أربع سنوات يعطي المستمع شهادة خاصَّة لا قيمة لها، مستمع، أما الطالب النظامي عليه امتحانات، وفي عليه مذاكرات، وفي عليه أعمال كتابيَّة، وفي عليه تقارير، وفي عليه أطروحة، وأشياء دقيقة جداً ويُحاسب حساب خاص.
فنحن الاستماع فقط لا يفيد، الكتاب موجود في الأسواق، فإذا واحد حاول أن يراجع هذا الموضوع لوحده في البيت يتذكَّر كل تعليق علَّقت عليه أنا، كل تعليق علَّقت عليه يتذكَّره، فالذي أرجوه أن تكون هذه الحقائق عاداتٍ، أخلاقاً، سلوكاً نعيشه، إذا فعلنا هذا والله كان المجتمع كالبنيان المرصوص، هذه أخلاق ثمينة جداً، هذه حقوق إذا أحب الواحد يطبعها لوحدها كرسالة حقوق الأخوة في الله والله شيء جميل، عمل طيِّب، إذا واحد أخذ من الكتاب حقوق الأخوَّة في الله وطبعها ووزَعها مجَّاناً يكون قد أدَّى خدمة كبيرة كثير، هذا الفصل لوحده موضوع.
فالواحد لا يكتفي بالسماع، العلم يحتاج إلى جهد، إلى مدارسة، إلى مذاكرة، إلى مراجعة، إلى تطبيق، حتَّى أن بعضهم أخذ هذا الموضوع الحق الثامن يسجِّل عنده النقاط الرئيسة، في آخر الجمعة يقول: ماذا طبَّقت منه ؟ عمل زيارات أو أقرباؤه زاروه هل طبَّق هذه المعلومات؟ رفع التكلُّف ؟ لم ينتقدهم أبداً ؟ ما حاسب حساب دقيق ؟ ما تحفَّظ ؟ ما أوحس الناس منه ؟ أما كمعلومات ليست لها قيمة، واحد توفي فترك مئتي مؤلَّف، فلمَّا سأله تلميذه في المنام قال له: يا سيدي ماذا فعل الله بكَ ؟ قال له: طاحت تلك العبارات، وذهبت تلك الإشارات ولم يبق إلا رُكَيْعَات ركعناها في جوف الليل.
أأكِّد لكم أن العلم في حدِّ ذاته لا قيمة له، العلم ليس مطلوباً لذاته إنما هو مطلوبٌ لأن تعمل به، ومن عمل بما علم علَّمه الله ما لم يعلم، ولا تكون عالماً حتَّى تعلم ما علمت، تعلَّموا ما شئتم فوالله لن تؤجروا حتَّى تعملوا بما علمتم، أي لو أنك فعلت مع أخيك المؤمن حالةً من هذه الحالات لكان خيراً لك من حفظ هذا الكتاب كُلِّه، لو حفظته كلَّه أقول لك كما قال الغزالي: " زادت نسخة "، في السوق على مستوى القطر فرضاً توجد ثمانية آلاف نسخة، لو حفظته غيباً خلال خمسة أعوام لقلت لك: زادت نسخة، فلو طبَّقت بعض أحكامه لارتقيت عند الله عزَّ وجل فالعبرة التطبيق، أما الحفظ وحده لا يكفي.

والحمد لله رب العالمين
شادي1980 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-25-2013, 04:38 PM   #2
صديق المنتدى
 

افتراضي

بارك الله فيك اخي على المجهود الكبير والموضوع الرائع وجعل عملك في ميزان حسناتك
IMAM غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-25-2013, 04:55 PM   #3
صديق المنتدى
 
الصورة الرمزية abood
 

افتراضي

abood غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-25-2013, 09:55 PM   #4
صديق المنتدى
 
الصورة الرمزية ابو محمود
 

افتراضي

مشكور بارك الله فيك وجعله في موازين حسناتك
ابو محمود غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-25-2013, 10:10 PM   #5
صديق المنتدى
 
الصورة الرمزية الساهر
 

افتراضي

الساهر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
فوائد الحجامة - الشيخ محمد النابلسي الساهر الصوتيات والمرئيات الأسلامية 2 05-27-2014 10:29 AM
تفسير الدكتور محمد راتب النابلسي abood الأدعية و الكتب والاسطوانات والتفاسير الاسلامية 0 01-09-2014 10:32 AM
حقوق الوالدين في الإسلام IMAM المنتدى الأسلامى العام 6 10-17-2013 12:59 PM
اسم الله الرزاق - الدكتور محمد راتب النابلسي الساهر الصوتيات والمرئيات الأسلامية 3 09-20-2013 05:40 PM
كتب الدكتور النابلسي للتحميل khallil321 الأدعية و الكتب والاسطوانات والتفاسير الاسلامية 8 05-24-2013 10:42 PM


الساعة الآن 05:41 PM


1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123