Loading...




المنتدى الأسلامى العام General Islamic Forum


إنشاء موضوع جديد  إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 09-23-2013, 12:37 PM   #1
صديق المنتدى
 
الصورة الرمزية الساهر
 


افتراضي الدنيا وحقيقتها





بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته



الدنيا وحقيقتها



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
ضرب الله عز وجل الأمثال في القرآن الكريم، فقال: وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ [العنكبوت: 43].
وقال جل وعلا: وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ... [الروم: 58].
هكذا يضرب رب العزة جل وعلا الأمثال للناس ليقرب لهم الفهم وليبين لهم الأمور، وبالأمثال دائمًا تتضح الصور.
ولقد جاء في السنة مجموعة من الأمثال لنفس الغرض، وكم كان رسول الله  حريصًا على أصحابه فضرب لهم الأمثال، وشبك بين أصابعه ورسم في الأرض خطوطًا، كل هذا ليعلم البشرية من خلال أصحاب الأخيار رضي الله وأرضاهم.
وبين أيدينا أخي القارئ مجموعة من الأمثلة( ) التي ساقها شيخ الإسلام ابن القيم- رحمه الله- واستنبطها ونقلها في أوضح صورة وأزهى ثوب؛ لتتضح لنا الصورة الحقيقية للدنيا.. الدنيا التي شغلت الكثيرين عن الله والدار الآخرة، وصدت جمعًا غفيرًا عن طلب ما عند الله، وهم يسعون بالليل والنهار في جمع الدنيا وحطامها؛ ناسين أو متناسين: مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ [النحل: 96].

أخي:
من الناس من جعل الدنيا مبلغه ومنتهى همه، فلا تراه يفكر إلا في ذاته دون أدنى اهتمام بأمور دينه وقضايا أمته، يعيش في الدنيا للدنيا فقط.. وفي مثل هذا يصدق قول الله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود: 16].
نسأل الله أن ينفعنا وإياكم بهذا الكتاب القيم لشيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله.


* * * *

المثال الأول / مثل العبد فيها
للعبد ثلاثة أحوال: حالة لم يكن فيها شيئًا، وهي ما قبل أن يوجد. وحالة أخرى وهي من ساعة موته إلى ما لا نهاية له في البقاء السرمدي؛ فلنفسه وجود بعد خروجها من البدن؛ إما في الجنة وإما في النار، ثم تعاد إلى بدنه فيجازى بعمله ويسكن إحدى الدارين في خلود دائم، ثم بين هاتين الحالتين- وهي ما بعد وجوده وما قبل موته- حالة متوسطة وهي أيام حياته، فلينظر إلى مقدار زمانها وأنسبه إلى الحالتين، يعلم أنه أقل من طرفة عين في مقدار عمر الدنيا، ومن رأى الدنيا بهذه العين لم يركن إليها، ولم يبال كيف تقضت أيامه فيها؛ في ضر وضيق، أو في سعة ورفاهية، ولهذا لم يضع رسول الله  لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة، وقال: «ما لي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها» [رواه الترمذي].
وقال: «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع» [رواه مسلم].
وإلى هذا أشار المسيح  بقوله: «الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها». وهذا مثل صحيح؛ فإن الحياة معبر إلى الآخرة، والمهد هو الركن الأول على أول القنطرة، واللحد هو الركن الثاني على آخرها، ومن الناس من قطع نصف القنطرة، ومنهم من قطع ثلثيها، ومنهم من لم يبق له إلا خطوة واحدة وهو غافل عنها، وكيفما كان فلابد من العبور؛ فمن وقف بيني على القنطرة ويزينها بأصناف الزينة وهو يستحث العبور فهو في غاية الجهل والحمق.

المثال الثاني / شهوات الدنيا
شهوات الدنيا في القلب كشهوات الأطعمة في المعدة، وسوف يجد العبد عند الموت لشهوات الدنيا في قلبه من الكراهة والنتن والقبح ما يجده للأطعمة اللذيذة إذا انتهت في المعدة غايتها، وكما أن الأطعمة كلما كانت ألذ طعمًا وأكثر دسمًا وأكثر حلاوة وكان رجيعها أقذر، فكذلك كل شهوة كانت في النفس ألذ وأقوى؛ فالتأذي بها عند الموت أشد، كما أن تفجع الإنسان بمحبوبه إذا فقده يقوى بقدر محبة المحبوب.
وفي المسند أن النبي  قال للضحاك بن سفيان: «ألست تؤتى بطعامك وقد ملح وقزح ثم تشرب عليه الماء واللبن»، قال: بلى، قال: «فإلى ما يصير؟» قال: إلى ما قد علمت، قال: «فإن الله عز وجل ضرب مثل الدنيا لما يصير إليه طعام ابن آدم» [رواه أحمد].
كان بعض السلف يقول لأصحابه: انطلقوا حتى أريكم الدنيا. فيذهب بهم إلى مزبلة فيقول: انظروا إلى ثمارهم ودجاجهم وعسلهم وسمنهم.

* * * *

المثال الثالث / انشغال أهلها بنعيمها عن الآخرة
لها ولأهلها في اشتغالهم بنعيمها عن الآخرة وما يعقبهم من الحسرات مثل أهلها في غفلتهم، مثل قوم ركبوا سفينة فانتهت بهم إلى جزيرة فأمرهم الملاح بالخروج لقضاء الحاجة، وحذرهم الإبطاء، وخوفهم مرور السفينة، فتفرقوا في نواحي الجزيرة، فقضى بعضهم حاجته، وبادر إلى السفينة فصادف المكان خاليًا، فأخذ أوسع الأماكن وألينها وأوفقها لمراده، ووقف بعضهم في الجزيرة ينظر إلى أزهارها وأنوارها العجيبة، ويسمع نغمات طيورها، ويعجبه حسن أحجارها، ثم حدثته نفسه بفوت السفينة وسرعة مرورها وخطر ذهابها، فلم يصادف إلا مكانًا ضيقًا فجلس فيه، وأكب بعضهم على تلك الحجارة المستحسنة والأزهار الفائقة، فحمل منها حمله، فلما جاء لم يجد في السفينة إلا مكانًا ضعيفًا، وزاده حمله ضيقًا فصار محموله ثقلاً عليه ووبالاً، ولم يقدر على نبذه؛ بل لم يجد من حمله بدًا ولم يجد له في السفينة موضعًا، فحمله على عنقه وندم على أخذه، فلم تنفعه الندامة، ثم ذبلت الأزهار وتغيرت أراييجها وآذاه نتنها.
وتولج( ) بعضهم في تلك الغياض( ) ونسي السفينة وأبعد في نزهته، حتى أن الملاح نادى بالناس عند دفع السفينة، فلم يبلغه صوته؛ لاشتغاله بملاهيه؛ فهو تارة يتناول من الثمر، وتارة يشم تلك الأزهار، وتارة يعجب من حسن الأشجار، وهو على ذلك خائف من سبع يخرج عليه غير منفك من شوك يتشبث في ثيابه ويدخل في قدميه، أو غصن يجرح بدنه، أو عوسج يخرق ثيابه ويهتك عورته، أو صوت هائل يفزعه، ثم من هؤلاء من لحق السفينة ولم يبق فيها موضع، فمات على الساحل، ومنهم من شغله لهواه فافترسته السباع ونهشته الحيات، ومنهم من تاه فهام على وجهه حتى هلك.
فهذا مثال أهل الدنيا في اشتغالهم بحظوظهم العاجلة، ونسيانهم موردهم وعاقبة أمرهم. وما أقبح بالعاقل أن تغريه أحجار ونبات يصير هشيمًا، قد شغل باله وعوقه عن نجاته ولم يصحبه.

* * * *
المثال الرابع / وغرتهم الحياة الدنيا
لاغترار الناس بالدنيا وضعف إيمانهم بالآخرة، قال ابن أبي الدنيا: حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا هشام بن حسان عن الحسن قال: بلغني أن رسول الله  قال لأصحابه: «إنما مثلي ومثلكم مثل الدنيا كمثل قوم سلكوا مفازة( ) غبراء، حتى إذا لم يدروا ما سلكوا منها أكثر أم ما بقي أنفذوا الزاد وحسروا ( ) الظهر، وبقوا بين ظهراني المفازة ( )؛ لا زاد ولا حمولة، فأيقنوا بالهلكة، فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم رجل في حلة يقطر رأسه فقالوا: إن هذا قريب عهد بزيف، وما جاءكم هذا إلا من قريب، فلما انتهى إليهم قال: يا هؤلاء علام أنتم؟ قالوا: على ما ترى؟ قال: أرأيتم إن هديتكم على ماء رواء، ورياض خضر، ما تجعلون لي؟ قالوا: لا نعصيك شيئًا. قال: عهودكم ومواثيقكم بالله. قال: فأعطوه عهودهم، ومواثيقهم بالله لا يعصونه شيئًا، قال: فأوردهم ماء ورياضًا خضراء. قال: فمكث فيهم ما شاء الله. ثم قال: يا هؤلاء الرحيل، قالوا: إلى أين؟ قال: إلى ماء ليس كمائكم ورياض ليست كرياضكم، قال: فقال جُلُّ القوم وهم أكثرهم: والله ما وجدنا هذا حتى ظننَّا أن لن نجده، وما نصنع بعيش هو خير من هذا! قال: وقالت طائفة وهم أقلهم: ألم تعطوا هذا الرجل عهودكم ومواثيقكم بالله لا تعصونه شيئًا، وقد صدقكم في أول حديثه، فوالله ليصدقنكم في آخره، فراح بمن اتبعه وتخلف بقيتهم فبادرهم عدوهم فأصبحوا بين أسير وقتيل»( ).


* * * *

المثال الخامس / ظل شجرة
للدنيا وأهلها ما مثلها به النبي  كظل شجرة ( )، والمرء مسافر فيها إلى الله، فاستظل في ظل الشجرة في يوم صائف، ثم راح وتركها، فتأمل حسن هذا المثال ومطابقته للواقع سواء؛ فإنها في خضرتها كشجرة، وفي سرعة انقضائها وقبضها شيئًا فشيئًا كالظل، والعبد مسافر إلى ربه، والمسافر إذا رأى شجرة في يوم صائف لا يحسن به أن يبني تحتها دارًا ولا يتخذها قرارًا، بل يستظل بها بقدر الحاجة، ومتى زاد على ذلك انقطع عن الرفاق.

* * * *
المثال السادس
منقطعة فانية
تمثيله لها  بمدخل أصبعه في اليم ( )؛ فالذي يرجع به أصبعه من البحر هو مثل الدنيا بالنسبة إلى الآخرة، وهذا أيضًا من أحسن الأمثال؛ فإن الدنيا منقطعة فانية، ولو كانت مدتها أكثر مما هي، والآخرة أبدية لا انقطاع لها، ولا نسبة للمحصور إلى غير المحصور؛ بل لو فرض أن السماوات والأرض مملوءتان خردلاً، وبعد كل ألف سنة طائر ينقل خردلة لفني الخردل، والآخرة لا تفنى؛ فنسبة الدنيا إلى الآخرة في التمثيل، كنسبة خردلة واحدة إلى ذلك الخردل، ولهذا لو أن البحر يمده من بعده سبعة أبحر، وأشجار الأرض كلها أقلام يكتب بها كلام الله، لنفدت الأبحر والأقلام، ولم تنفد كلمات الله؛ لأنها لا بداية ولا نهاية لها، والأبحر والأقلام متناهية.
قال الإمام أحمد وغيره: لم يزل الله متكلمًا إذا شاء، وكماله المقدس مقتض لكلامه، وكماله من لوازم ذاته؛ فلا يكون إلا كاملاً، والمتكلم أكمل ممن لا يتكلم، وهو سبحانه لم يلحقه كلل ولا تعب ولا سآمة من الكلام، وهو يخلق ويدبر خلقه بكلماته؛ فكلماته هي التي أوجد بها خلقه وأمره، وذلك حقيقة ملكه وربوبيته وإلهيته، وهو لا يكون إلا ربًا ملكًا إلها لا إله إلا هو. والمقصود أن الدنيا نفس من أنفاس الآخرة وساعة من ساعاتها.

* * * *
المثال السابع
شَرَهٌ قاتل
ما مثلها به  في الحديث المتفق على صحته من حديث أبي سعيد الخدري  قال: قام رسول الله  فخطب الناس فقال: «لا والله ما أخشى عليكم إلا ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا». فقال رجل: يا رسول الله، أَوَيأتي الخير بالشر؟ فصمت رسول الله  ثم قال: «كيف قلت؟» قال: يا رسول الله، أويأتي الخير بالشر؟ فقال رسول الله : «إن الخير لا يأتي إلا بالخير، وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطًا أو يلم، إلا آكلة الخضر أكلت حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت عين الشمس فثلطت ( ) وبالت ثم اجترت، فعادت فأكلت، فمن أخذ مالاً بحقه بورك له فيه، ومن أخذ مالاً بغير حقه فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع». [رواه البخاري ومسلم].
فأخبر  أنه إنما يخاف عليهم الدنيا وسماها زهرة؛ فشبهها بالزهر في طيب رائحته وحسن منظره وقلة بقائه، وأن وراءه ثمرًا خيرًا وأبقى منه.
وقوله : «مما ينبت الربيع ما يقتل حبطًا أو يَلِمُّ». هذا من أحسن التمثيل المتضمن للتحذير من الدنيا والانهماك عليها والمسرة فيها, وذلك أن الماشية يروقها نبت الربيع, فتأكل منها بأعينها فربما هلكت حبطًا، والحبط: انتفاخ بطن الدابة. من الامتلاء، أو من المرض. يقال: حبط الرجل: والدابة تحبط حبطًا: إذا أصابه ذلك، ولما أصاب الحارث بن مازن بن عمرو بن تميم ذلك في سفره فمات حبطًا، فنسب الحبطي كما يقال السلمي. فكذلك الشره في المال يقتله شرهه وحرصه، فإن لم يقتله قارب أن يقتله، وهو قوله: «أو يلِمُّ». وكثير من أرباب الأموال إنما قتلتهم أموالهم، فإنهم شرهوا في جمعها واحتاج إليها غيرهم، فلم يصلوا إليها إلا بقتلهم أو ما يقاربه من إذلالهم وقهرهم.
وقوله : «إلا آكلة الخضر». هذا تمثيل لمن أخذ من الدنيا حاجته، مثَّله بالشاة الآكلة من الخضر بقدر حاجتها، أكلت حتى إذا امتلأت خاصرتاها، في لفظ آخر: «امتدت خاصرتاها». وإنما تمتد من امتلائها من الطعام، وثنى الخاصرتين لأنهما جانبا البطن.
وفي قوله : «استقبلت عين الشمس فثَلَطَت وبالت» ثلاث فوائد:
إحداها: أنها لما أخذت حاجتها من المرعى تركته وبركت مستقبلة الشمس؛ لتستمرئ لذلك ما أكلته.
الثانية: أنها أعرضت عما يضرها من الشره في المرعى، وأقبلت على ما ينفعها من استقبال الشمس التي يحصل لها بحرارتها إنضاج ما أكلته وإخراجه.
الثالثة: أنها استفرغت بالبول والثَّلَط ما جمعته من المرعى في بطنها فاستراحت بإخراجه، ولو بقي فيها لقتلها، فكذلك جامع المال مصلحته أن يفعل به كما فعلت هذه الشاة.
وأول الحديث مثَّل للشَّرَِه في جمع الدنيا الحريص على تحصيلها؛ فمثاله مثال الدابة التي حملها شرَهُ الأكل على أن يقتلها حبطًا أو يلمّ إذا لم يقتلها؛ فإن الشَّرِهَ الحريص إما هالك وإما قريب من الهلاك؛ فإن الربيع ينبت أنواع البقول والعشب، فتستكثر منه الدابة حتى ينتفخ بطنها؛ لما جاوزت حد الاحتمال، فتنشق أمعاؤها وتهلك، كذلك الذي يجمع الدنيا من غير حلها ويحبسها، أو يصرفها في غير حقها.
وآخر الحديث: مثل للمقتصد بآكلة الخضر الذي تنتفع الدابة بأكله، ولم يحملها شرهها وحرصها على تناولها منه فوق ما تحتمله، بل أكلت بقدر حاجتها وهكذا. هذا أخذ ما يحتاج إليه ثم أقبل على ما ينفعه، وضرب ببول الدابة وثلطها مثلاً لإخراجه المال في حقه؛ حيث يكون حبسه وإمساكه مضرًا به، فنجا من وبال جمعه بأخذ قدر حاجته منه، ونجا من وبال إمساكه بإخراجه كما نجت الدابة من الهلاك بالبول والثلط.
وفي هذا الحديث إشارة إلى الاعتدال والتوسط بين الشره في المرعى القاتل بكثرته، وبين الإعراض عنه وتركه بالكلية فتهلك جوعًا، وتضمن الخبر أيضًا إرشاد المكثر من المال إلى ما يحفظ عليه قوته وصحته في بدنه وقلبه، وهو الإخراج منه وإنفاقه ولا يحبسه فيضره حبسه، وبالله التوفيق.

* * * *
المثال الثامن
خضرة.. حلوة
ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن سليمان بن يسار عن ميمونة قالت: قال رسول الله  لعمرو بن العاص: «الدنيا خضرة حلوة؛ فمن اتقى الله فيها وأصلح، وإلا فهو كالآكل ولا يشبع. وبين الناس في ذلك كبعد الكوكبين؛ أحدهما يطلع في المشرق والآخر يغيب في المغرب»( )؛ فنبه بخضرتها على استحسان العيون لها، وبحلاوتها على استجلاء الصدور لها، وبتلك الخضرة والحلاوة زينت لأهلها وحببت إليهم؛ لا سيما وهم مخلوقون منها، وفيها كما قيل:

ونحن بنو الدنيا ومنها نباتنا
وما أنت منه فهو شيء محبب

وجعل الناس فيها قسمين:
أحدهما: مصلح متق. فهذا تقواه وإصلاحه، لا يدعانه ينهمك عليها، ويشره فيها، ويأخذها من غير حلها، ويضعها في غير حقها، فإن لم يتق ويصلح صرف نهمته وقواه وحرصه إلى تحصيلها، فكان كالذي يأكل ولا يشبع، وهذا من أحسن الأمثلة؛ فإن المقصود من الأكل حفظ الصحة والقوة، وذلك تابع لقدر الحاجة، وليس المقصود منه ذاته ونفسه، فمن جعل الصحة والقوة، وذلك تابع لقدر الحاجة، وليس المقصود منه ذاته ونفسه، فمن جعل نهمته فوق مقصوده لم يشبه؛ ولهذا قال الإمام أحمد: «الدنيا قليلها يجزي وكثيرها لا يجزي».
وأخبر عن تفاوت الناس في المنزلتين – أعني منزلة التقوى والإصلاح، ومنزلة الأكل والشره – وأن بين الرجلين في ذلك كما بين الكوكبين؛ الغارب في الأفق والطالع منه، وبين ذلك منازل متفاوتة.
* * * *
المثال التاسع
هوانها على الله
ما تقدم من حديث المستورد بن شداد قال: كنت مع الركب الذين وقفوا مع رسول الله  على السخلة الميتة، فقال رسول الله : «أترون هذه، هانت على أهلها حتى ألقوها؟» قالوا: ومن هوانها ألقوها يا رسول الله. قال: «فوالذي نفس محمد بيده للدنيا أهون على الله من هذه على أهلها» [رواه الترمذي، وابن ماجه]، وقال الترمذي حديث حسن صحيح.
فلم يقتصر  على تمثيلها بالسخلة الميتة؛ بل جعلها أهون على الله منها.
وفي مسند الإمام أحمد في هذا الحديث: «فوالذي نفسي بيده للدنيا عند الله أهون عليه من تلك السخلة على أهلها» [رواه أحمد]؛ فأكد ذلك بالقسم الصادق، فإذا كان مثلها عند الله أهون وأحقر من سخلة ميتة على أهلها، فمحبها وعاشقها أهون على الله من تلك السخلة، وكونها سخلة أهون عليهم من كونها شاة كبيرة؛ لأن تلك ربما انتفعوا بصوفها أو دبغوا جلدها، وأما ولد شاة صغيرة ميت ففي غاية الهوان، والله المستعان.

* * * *
المثال العاشر
بحر لابد من عبوره
مثلها مثل البحر الذي لابد للخلق كلهم من ركوبه ليقطعوه إلى الساحل الذي فيه دورهم وأوطانهم ومستقرهم، ولا يمكن قطعه إلا في سفينة النجاة، فأرسل الله رسله لتعرف الأمم اتخاذ سفن النجاة وتأمرهم بعملها وركوبها، وهي طاعته وطاعة رسله وعبادته وحده، وإخلاص العمل له والتشمير للآخرة وإرادتها والسعي لها سعيها، فنهض الموفقون وركبوا السفينة، ورغبوا عن خوض البحر؛ لما علموا أنه لا يقطع خوضًا ولا سباحة.
وأما الحمقى فاستصعبوا عمل السفينة وآلاتها والركوب فيها، وقالوا: نخوض البحر، فإذا عجزنا قطعناه سباحة، وهم أكثر أهل الدنيا، فخاضوه، فلما عجزوا عن الخوض أخذوا في السباحة حتى أدركهم الغرق، ونجا أصحاب السفينة كما نجوا مع نوح  وغرق أهل الأرض، فتأمل هذا المثل وحال أهل الدنيا فيها يتبين لك مطابقته للواقع، قد ضرب هذا المثل للدنيا والآخرة والقدر والأمر؛ فإن القدر بحر والأمر فيه سفينة لا ينجو إلا من ركبها.
* * * *
المثال الحادي عشر
إناء مملوء عسلاً
مثالها مثال إناء مملوء عسلاً رآه الذباب فأقبل نحوه، فبعضه على حافة الإناء وجعل يتناول من العسل حتى أخذ حاجته ثم طار، وبعضه حمله الشره على أن يرمى بنفسه في لجة الإناء ووسطه فلم يدعه انغماسه فيه أن يتهنأ به إلا قليلاً حتى هلك في وسطه.

* * * *
المثال الثاني عشر
حب نثر على الأرض
مثال حب قد نثر على وجه الأرض، وجعلت كل حبة في فخ، وجعل حول ذلك الحب حب ليس في فخاخ، فجاءت الطير؛ فمنها من قنع بالجوانب ولم يرم نفسه في وسط الحب، فأخذ حاجته ومضى، ومنها من حمله الشره على اقتحام معظم الحَب، فما استتم اللقاط إلا وهو يصيح مِنْ أخذه الفخ له.

المثال الثالث عشر
تقاحم الفراش

كمثل رجل أوقد نارًا عظيمة فجعلت الفراش والجنادب يرون ضوءها فيقصدونها ويتهافتون فيها، ومن له علم بحالها جعل يستضيء ويستدفئ بها من بعيد، وقد أشار النبي  إلى هذا المثل بعينه في الحديث الذي رواه مالك بن إسماعيل، عن حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن عمر  عن النبي  قال: «إني ممسك بحجزكم( ) عن النار وتتقاحمون فيها تقاحم الفراش والجنادب، ويوشك أن أرسل بحجزكم»( ).
وفي لفظ آخر: «مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارًا فلما أضارت ما حوله جعلت الفراش والجنادب يتقاحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تغلبوني وتتقاحمون فيها» وهذا المثال منطبق على أهل الدنيا المنهمكين فيها؛ فالرسل تدعوهم إلى الآخرة، وهم يتقاحمون في الدنيا تقاحم الفراش.


* * * *

المثال الرابع عشر
الوادي الأخضر
مثل قوم خرجوا في سفر بأموالهم وأهليهم، فمروا بواد معشب كثير المياه والفواكه، فنزلوا به وضربوا خيمهم، وبنوا هنالك الدور والقصور، فمر بهم رجل يعرفون نصحه وصدقه وأمانته، فقال: إني رأيت بعيني هاتين الجيش خلف هذا الوادي، وهو قاصدكم، فاتبعوني أسلك بكم على غير طريق العدو فتنجوا منه، فأطاعته طائفة قليلة، فصاح فيهم: يا قوم النجاة، النجاة، أتيتم، أتيتم، وصاح السامعون له بأهليهم، وأولادهم وعشائرهم، فقالوا: كيف نرحل من هذا الوادي وفيه مواشينا وأموالنا ودورنا، وقد استوطناه. فقال لهم الناصح: لينج كل واحد منكم بنفسه مما خف عليه من متاعه، وإلا فهو مأخوذ، وماله مجتاح، فثقل على أصحاب الجد والأموال ورؤساء القوم النقلة ومفارقة ما هم فيه من النعيم والرفاهية والدعة، وقال كل أحمق: لي أسوة بالقاعدين؛ فهم أكثر مني مالاً وأهلاً، فما أصابهم أصابني معهم. ونهض الأقلون مع الناصح ففازوا بالنجاة، وصبح الجيش أهل الوادي فقتلهم واجتاح أموالهم.
وقد أشار النبي  إلى هذا المثل بعينه في الحديث المتفق على صحته من حديث أبي بردة عن أبي موسى عن النبي  قال: «إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم، إني رأيت الجيش بعيني وأنا النذير العريان فالنجاة النجاة، فأطاعه طائفة من قومه، فأدلجوا ( ) وانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم؛ فذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق» [رواه البخاري].

* * * *
المثال الخامس عشر
ضيف وعارية
رجل هيأ دارًا وزينها ووضع فيها من جميع الآلات ودعا الناس إليها، فكلما دخل داخل أجلسه على فراش وثير، وقدم إليه طبقًا من ذهب عليه لحم، ووضع بين يديه أواني مفتخرة فيها من كل ما يحتاج إليه، وأخدمه عبيده ومماليكه، فعرف العاقل أن ذلك كله متاع صاحب الدار وملكه وعبيده، فاستمتع بتلك الآلات والضيافة مدة مقامه في الدار، ولم يعلق قلبه بها ولا حدث نفسه بتملكها؛ بل اعتمد مع صاحب الدار ما يعتمده الضيف؛ يجلس حيث أجلسه، ويأكل ما قدمه له، ولا يسأل عما وراء ذلك؛ اكتفاء منه بعلم صاحب الدار وكرمه وما يفعله ضيوفه، فدخل الدار كريمًا وتمتع فيها كريمًا، وفارقها كريمًا، ورب الدار غير ذام له.
وأما الأحمق فحدث نفسه بسكنى الدار، وحوز تلك الآلات إلى ملكه وتصرفه فيها بحسب شهوته وإرادته، فتخير المجلس لنفسه، وجعل ينقل تلك الآلات إلى مكان في الدار يخبؤها فيه، وكلما قدم إليه ربها شيئًا أو آلة حدث نفسه بملكه واختصاصه به عن سائر الأضياف، ورب الدار يشاهد ما يصنع، وكرمه يمنعه من إخراجه من داره، حتى إذا ظن أنه استبد بتلك الآلات وملك الدار وتصرف فيها وفي آلاتها تصرف المالك الحقيقي، واستوطنها واتخذها دارًا له، وأرسل إليه مالكها عبيده فأخرجوه منها إخراجًا عنيفًا، وسلبوه كل ما هو فيه، ولم يصحبْه من تلك الآلات شيء، وحصل على مقت رب الدار وافتضاحه عنده وبين مماليكه وحشمه وخدمه.
فليتأمل اللبيب هذا المثال حق التأمل؛ فإنه مطابق للحقيقة، والله المستعان.
قال عبد الله بن مسعود : «كل أحد في هذه الدنيا ضيف، وماله عارية، فالضيف مرتحل والعارية مؤداة».
وفي الصحيحين عن أنس بن مالك  قال: مات ابن لأبي طلحة من أم سليم، فقالت لأهله: لا تحدثوا أبا طلحة حتى أكون أنا أحدثه، فجاء، فقربت إليه عشاء فأكل وشرب وقال: ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك فوقع بها، فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها. قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قومًا أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا. قالت: فاحتسب ابنك. قال: فغضب. قال: تركتني تلطخت ثم أخبرتني بابني، فانطلق حتى أتى رسول الله  فأخبره بما كان منها، فقال رسول الله : «بارك الله لكما في ليلتكما». وذكر الحديث. [رواه البخاري ومسلم].

* * * *

المثال السادس عشر
شارب ماء البحر
قوم سلكوا مفازة، فاجأهم العطش فانتهوا إلى البحر، وماؤه أمر شيء وأملحه، فلشدة عطشهم لم يجدوا مرارته وملوحته فشربوا منه، فلم يرووا، وجعلوا كلما ازدادوا شربًا ازدادوا ظمأ، حتى تقطعت أمعاؤهم وماتوا عطشًا، وعلم عقلاؤهم أنه مر مالح، وأنه كلما ازداد الشارب منه ازداد ظمؤه، فتباعدوا عنه مسافة حتى وجدوا أرضًا حلوة، فحفروا فيها قليبًا، فنبع لهم ماء عذب فرات، فشربوا وعجنوا وطبخوا ونادوا إخوانهم الذين على حافة البحر: هلموا إلى الماء الفرات. وكان منهم المستهزئ، ومنهم المعرض الراضي بما هو فيه، وكان المجيب واحدًا بعد واحد، وهذا المثل بعينه قد ضربه المسيح  فقال: مثل طالب الدنيا كمثل شارب ماء البحر؛ كلما ازداد شربًا ازداد عطشًا حتى يقتله.

* * * *
المثال السابع عشر
الرفيق والسفر
مثل الإنسان ومثل ماله وعمله وعشيرته مثل رجل له ثلاثة إخوة فقضى له سفر بعيد طويل لابد له منه، فدعا إخوته الثلاثة وقال: قد حضر ما ترون من هذا السفر الطويل، وأحوج ما كنت إليكم الآن.
فقال أحدهم: أنا كنت أخاك إلى هذه الحال، ومن الآن فلست بأخ ولا صاحب، وما عندي غير هذا، فقال له: لم تغن عني شيئًا.
فقال للآخر: ما عندك؟ فقال: كنت أخاك وصاحبك إلى الآن، وأنا معك حتى أجهزك إلى سفرك وتركب راحلتك، من هنالك لست لك بصاحب، فقال له: أنا محتاج إلى مرافقتك في مسيري. فقال: لا سبيل لك إلى ذلك. فقال: لم تغن عني شيئًا.
فقال للثالث: ما عندك أنت؟ فقال: كنت صاحبك في صحتك ومرضك، وأنا صاحبك الآن، وصاحبك إذا ركبت راحلتك، وصاحبك في مسيرك؛ فإن سرت سرت معك، وإن نزلت نزلت معك، وإذا وصلت إلى بلدك كنت صاحبك فيها لا أفارقك أبدًا، فقال: إن كنت لأهون الأصحاب علي، وكنت أوثر عليك صاحبيك، فليتني عرفت حقك وآثرتك عليهما.
فالأول: ماله، والثاني: أقاربه وعشيرته وأصحابه، والثالث: عمله.
وقد روي في هذا المثل بعينه حديث مرفوع، لكنه لا يثبت، رواه أبو جعفر العقيلي في كتاب [الضعفاء] من حديث ابن شهاب عن عروة عن عائشة، وعن ابن المسيب عن عائشة مرفوعًا، وهو مثل صحيح في نفسه مطابق للواقع.


* * * *

المثال الثامن عشر
خطاب الدنيا
وهو من أحسن الأمثلة: ملك بنى دارًا لم ير الراؤون ولم يسمع السامعون أحسن ولا أوسع ولا أجمع لكل ملاذ النفوس منها، ونصب لها طريقًا، وبعث داعيًا يدعو الناس إليها، وأقعد على الطريق امرأة جميلة قد زينت بأنواع الزينة، وألبست أنواع الحلي والحلل، وممر الناس كلهم عليها، وجعل لها أعوانًا وخدمًا، وجعل تحت يدها ويد أعوانها زادًا للمارين السائرين إلى الملك في تلك الطريق، وقال لها ولأعوانها: من غض طرفه عنك، ولم يشتغل بك عني، وابتغى منك زادًا يوصله إلي فاخدميه وزوديه، ولا تعوقيه عن سفره إلي، بل أعينيه بكل ما يبلغه في سفره، ومن مد إليك عينيه ورضي بك وآثرك علي وطلب وصالك، فسوميه سوء العذاب وأوليه غاية الهوان، واستخدميه واجعليه يركض خلفك ركض الوحش. ومن يأكل منك فاخدعيه به قليلاً ثم استرديه منه واسلبيه إياه كله، وسلطي عليه أتباعك وعبيدك، وكلما بالغ في محبتك وتعظيمك وإكرامك، فقابليه بأمثاله قلى( ) وإهانة وهجرًا، حتى تتقطع نفسه عليك حسرات، فتأمل هذا المثال وحال خطاب الدنيا وخطاب الآخرة. والله المستعان.
وهذا المثل مأخوذ من الأثر المروي عن الله عز وجل: (يا دنيا اخدمي من خدمني واستخدمي من خدمك).
* * * *
المثال التاسع عشر
وسابقوا..
ملك خطَّ مدينة في أصح المواضع وأحسنها هواء وأكثرها مياهًا، وشق أنهارها وغرس أشجارها، وقال لرعيته: تسابقوا إلى أحسن الأماكن فيها؛ فمن سبق إلى مكان فهو له، ومن تخلف سبقه الناس إلى المدينة. فأخذوا منازلهم وتبوأوا مساكنهم فيها، وبقي من أصحاب الحسرات. ونصب لهم ميدان السباق، وجعل على الميدان شجرة كبيرة لها ظل مديد، وتحتها مياه جارية، وفي الشجرة من كل أنواع الفواكه، وعليها طيور عجيبة الأصوات، وقال لهم: لا تغتروا بهذه الشجرة وظلها، فعن قليل تجتث من أصلها، ويذهب ظلها، وينقطع تمرها وتموت أطيارها، وأما مدينة الملك فأكلها دائم وظلها مديد، ونعيمها سرمدي، وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فسمع الناس بها فخرجوا في طلبها على وجوههم، فمروا بتلك الشجرة على أثر تعب ونصب وحر وظمأ، فنزلوا كلهم تحتها، واستظلوا بظلها، وذاقوا حلاوة ثمرها، وسمعوا نغمات أطيارها، فقيل لهم: إنما نزلتم تحتها لتحموا أنفسكم، وتضمروا ( ) مراكبكم للسباق، فتهيؤوا للركوب، وكونوا على أهبة، فإذا صاح النفير استدركتم حلبة السباق، فقال الأكثرون: كيف ندع هذا الظل الظليل والماء السلسبيل( )، والفاكهة النضجة والدعة( ) والراحة، ونقتحم هذه الحلبة في الحر والغبار، والتعب والنصب والسفر البعيد، والمفاوز المعطشة التي تنقطع فيها الأمعاء، وكيف نبيع النقد الحاضر بالنسيئة الغائبة إلى الأجل البعيد، ونترك ما نراه إلى ما لا نراه، وذرة منقودة في اليد أولى من موعودة بعد غد:
خذ ما تراه ودع شيئًا سمعت به
ونحن بنو اليوم، وهذا عيش حاضر، كيف نتركه لعيش غائب في بلد بعيد لا ندري متى نصل إليه، ونهض من كل ألف واحد وقالوا: والله ما مقامنا هذا في ظل زائل تحت شجرة قد دنا قلعها وانقطاع ثمرها وموت أطيارها- ونترك المسابقة إلى الظل الظليل الذي لا يزول، والعيش الهنيء الذي لا ينقطع، إلا من أعجز العجز، وهل يليق بالمسافر إذا استراح تحت ظلٍّ أن يضرب خباءه عليه، ويتخذ وطنه خشية التأذي بالحر والبرد؟ وهل هذا إلا أسفه السفه؟ فالسباق السباق والبدار والبدار:

حكم المنية في البرية جاري
ما هذه الدنيا بدار قرار
اقضوا مآربكم سراعًا إنما
أعماركم سفر من الأسفار
وتراكضوا خيل السباق وبادروا
أن تسترد فإنهن عواري
ودعوا الإقامة تحت ظل زائل
أنتم على سفر بهذي الدار
من يرج طيب العيش فيها إنما
يبني الرجاء على شفير هار
والعيش كل العيش فراقها
في دار أهل السبق أكرم دار

فاقتحموا حلقة السباق، ولم يستوحشوا من قلة الرفاق، وساروا في ظهور العزائم، ولم تأخذهم في سيرهم لومة لائم، والمتخلف في ظل الشجرة نائم. فوالله ما كان إلا قليل حتى انزوت أغصان تلك الشجرة، وتساقطت أوراقها، وانقطع ثمرها، ويبست فروعها، وانقطع مشربها، فقَلَعَها قَيِّمها من أصلها، فأصبح أهلها في حر السموم ( ) يتقلبون، وعلى ما فاتهم من العيش في ظلها يتحسرون، أحرقها قَيِّمها فصارت هي وما حولها نارًا تلظى، وأحاطت النار بمن تحتها فلم يستطع أحد منهم الخروج منها. فقالوا: أين الركب الذي استظلوا معنا تحت ظلها؟ ثم راحوا وتركوه، فقيل لهم: ارفعوا أبصاركم تروا منازلهم، فرأوهم من البعد في قصور مدينة الملك، وغرفها يتمتعون بأنواع اللذات، فتضاعفت عليهم الحسرات ألا يكونوا معهم، وزاد تضعفها بأن حيل بينهم وبين ما يشتهون، وقيل هذا جزاء المتخلفين: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [النحل: 118].

* * * *
المثال العشرون
ثوب مشقوق
ما مثلها به النبي  من الثوب الذي شق وبقي معلقًا بخيط في آخره؛ فما بقاء ذلك الخيط.
قال ابن أبي الدنيا: حدثني الفضل بن جعفر، حدثنا وهب بن حماد، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، حدثنا أبو سعيد خلف بن حبيب عن أنس بن مالك  قال: قال رسول الله : «مثل هذه الدنيا مثل ثوب شق أوله إلى آخره فبقي معلقًا بخيط في آخره فيوشك ذلك الخيط أن ينقطع» [إتحاف الأشراف].
وإن أردت لهذا المثل زيادة إيضاح فانظر إلى ما رواه أحمد في مسنده من حديث أبي نظرة عن أبي سعيد قال: صلى بنا رسول الله  العصر نهارًا، ثم قام فخطبنا فلم يترك شيئًا قبل قيام الساعة إلا أخبر به، حفظه من حفظه ونسيه من نسيه، وجعل الناس يلتفتون إلى الشمس هل بقي منها شيء، فقال: «ألا إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه». [رواه أحمد والترمذي].
وروى حفص بن غياث عن ليث، عن المغيرة بن حكيم، عن ابن عمر قال: خرج علينا رسول الله ، والشمس على أطراف السعف، فقال: «ما بقي من الدنيا إلا مثل ما بقي من يومنا هذا فيما مضى منه» [إحياء علوم الدين].
وروى ابن أبي الدنيا، عن إبراهيم بن سعد، حدثنا موسى بن خلف، عن قتادة، عن أنس أن رسول الله  خطب عند مغرب الشمس فقال: «ما بقي من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا منه»( ).
فالدنيا كلها كيوم واحد بعث رسول الله  في آخره قبل غروب شمسه بيسير.
وقال جابر وأبو هريرة رضي الله عنهما عنه : «بعثت أنا والساعة كهاتين». [رواه البخاري ومسلم]، وقرن بين أصابعه؛ السبابة والوسطى.
وكان بعض السلف يقول: تصبروا؛ فإنما هي أيام قلائل، وإنما أنتم ركب وقوف يوشك أن يدعى أحدكم فيجيب ولا يلتفت، وإنه قد نعيت إليكم أنفسكم، والموت حبس لابد منه، والله بالمرصاد، وإنما تخرج هذه النفوس على آخر سورة الواقعة: فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ [الواقعة: 88-94].


* * * *

المثال الحادي والعشرون
قليل من قليل
مثال الدنيا حوض كبير ملئ ماء، وجعل موردًا للأنام والأنعام، فجعل الحوض ينقص على كثرة الوراد، حتى لم يبق منه إلا كدر في أسفله، قد بالت فيه الدواب، وخاضته الناس والأنعام، كما روى مسلم في صحيحه عن عتبة بن غزوان أنه خطبهم فقال في خطبته: «إن الدنيا قد اذنت بصرم ( ) وولت حذاء ( )، ولم يبق منها إلا صبابة( ) كصبابة الإناء يتصببها صاحبها، إنكم منتقلون عنها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم» [رواه مسلم].
وقال عبد الله بن مسعود: إن الله تعالى جعل الدنيا كلها قليلاً، فما بقي منها إلا قليل من قليل، ومثل ما بقي منها كالثغب؛ شرب صفوه وبقي كدره. الثغب: الغدير.

* * * *
المثال الثاني والعشرون
المدينة والخراب
قوم سكنوا مدينة مدة من الزمان فكثرت فيها الأحداث والآفات وطرقتها المحن، وأغارت عليها عساكر الجور والفساد، فبنى ملكهم مدينة في محل لا يطرقه آفة ولا عاهة، وعزم على تخريب المدينة الأولى، فأرسل إلى سكانها فنودي فيهم بالرحيل بعد ثلاث ولا يتخلف منهم أحد، وأمرهم أن ينقلوا إلى مدينة الملك الثانية خير ما في تلك المدينة وأنفعه وأجله من الجواهر واللآلئ والذهب والفضة، وما خف حمله من المتاع، وعظم قدره وصلح للملوك، وأرسل إليهم الأدلاء وآلات النقل، ونهج لهم الطريق ونصب لهم الأعلام، وتابع الرسل يستحثونهم، بعضهم في إثر بعض، فانقسموا فرقًا:
فالأقلون: علموا قصر مدة مقامهم في تلك المدينة، وتيقنوا أنهم إن لم يبادروا بتحصيل خير ما فيها وحمْله إلى مدينة الملك، وإلا فاتهم ذلك فلم يقدروا عليه، فرأوا غبنًا أن يقطعوا تلك المدة في جمع المفضول والاشتغال به عن الفاضل، فسألوا عن خير ما في المدينة وأنفسه وأحبه إلى الملك وأنفعه في مدينته، فلما عرفوه لم يلتفوا إلى ما دونه، ورأوا أن أحدهم إذا وافى بجوهرة عظيمة، كانت أحب إلى الملك من أن يوافيه بأحمال كثيرة من الفلوس والحديد ونحوها، فكان همهم في تحصيل ما هو أحب إلى الملك وأنفس عنده، ولو قل في رأي العين.
وأقبلت فرقة أخرى على تعبئة الأحمال المحملة، وتنافسوا في كثرتها وهم على مراتب، فمنهم من أحمالهم أثمان، ومنهم من أحماله دون ذلك على قدر همممهم وما يليق بهم، لكن هممهم مصروفة إلى تعبئة الأحمال والانتقال من المدينة.
وأقبلت فرقة أخرى على عمارة القصور في تلك المدينة والاشتغال بطيباتها ولذاتها ونزهها، وحاربوا العازمين على النقلة، وقالوا: لا ندعكم تأخذون من متاعنا شيئًا؛ فإن شاركتمونا في عمارة المدينة واستيطانها وعيشنا فيها، وإلا لم نمكنكم من النقلة، ولا من شيء من المتاع، فوقعت الحرب بينهم فقاتلوا السائرين، فعمدوا إلى أكل أموالهم وأهليهم، وما نقموا منهم إلا بسيرهم إلى دار الملك وإجابة داعيه، والرغبة عن تلك الدار متى أمرهم بتركها..
وأقبلت فرقة أخرى على التنزه والبطالة والراحة والدعة، قالوا: لا نتعب أنفسنا في عمارها، لا ننتقل منها، ولا نعارض من أراد النقلة ولا نحاربهم ولا نعاونهم، وكان للملك فيها قصر فيه حريم له، وقد أحاط عليه سورًا وأقام عليه حرسًا، ومنع أهل المدينة من قربانه، وطاف به القاعدون فلم يجدوا فيه بابًا يدخلون منه، فغدوا على جدرانه فنقبوا ووصلوا إلى حريمه فأفسدوهم، ونالوا منهم ما أسخط الملك وأغضبه وشق عليه، ولم يقتصروا على ذلك حتى دعوا غيرهم إفساد حريمه والنيل منهم.
فبينما هم على تلك الحال وإذا بالنفير قد صاح فيهم كلهم فلم يمكِّن أحدًا منهم من التخلف، فحملوا على تلك الحال وأحضروا بين يدي الملك فاستعرضهم واحدًا واحدًا، وعرضت بضائعهم وما قدموا به من تلك المدينة عليه، فقبل منها ما يصلح له، وأعاض أربابه أضعاف أضعاف قيمته، وأنزلهم منازلهم من قربه، ورد منها مالا يصلح له، وضرب به وجوه أصحابه، وقابل من نقَّب حِماه وأفسد حريمه بما يقابل به المفسدون، فسألوا الرجعة إلى المدينة ليعمروا قصره، ويحفظوا حريمه، ويقدموا عليه من البضائع مثل ما قدم به التجار، فقال: هيهات قد خربت المدينة خرابًا لا تعمر بعده أبدًا، وليس بعدها إلا المدينة التي لا تخرب أبدًا.


الساهر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-23-2013, 01:00 PM   #2
كبير مراقبى منتديات ايجيبت سات
 

افتراضي

ابو ساره 2012 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-23-2013, 01:46 PM   #3
صديق المنتدى
 

افتراضي

جزاك الله خيرا اخي وجعل عملك في ميزان حسناتك
IMAM غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-23-2013, 09:39 PM   #4
صديق المنتدى
 
الصورة الرمزية الساهر
 

افتراضي

شكرا لكم على مروركم الطيب
الساهر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-24-2013, 08:27 AM   #5
صديق المنتدى
 
الصورة الرمزية abood
 

افتراضي

abood غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
هي الدنيا كده مستر صُلاَّحَ منتدى الحوار العام 3 05-03-2014 05:35 PM
جنة الدنيا IMAM المنتدى الأسلامى العام 5 09-06-2013 06:11 PM
الدنيا سلم الآخرة abood المنتدى الأسلامى العام 3 05-25-2013 09:34 PM
ادا ضاقت بك الدنيا البقلاوى المنتدى الأسلامى العام 4 04-04-2013 11:37 AM
ماذا تحب من الدنيا hasnimourad المنتدى الأسلامى العام 5 03-15-2013 03:20 AM


الساعة الآن 02:49 AM


1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123