Loading...




المنتدى الأسلامى العام General Islamic Forum


إنشاء موضوع جديد  إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 09-27-2013, 10:57 PM   #1
صديق المنتدى
 
الصورة الرمزية الساهر
 


افتراضي القمار حكمه وأدلة تحريمه







القمار حكمه وأدلة تحريمه


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، أما بعد( ):


لا ضرر ولا ضرار

إذا تأملنا المعاملات التي يتعامل بها الناس فيما بينهم، والتي قد شرعها الله -سبحانه وتعالى- وجدناها في غاية المناسبة؛ لأن الله -عز وجل- قد أحل لهم المعاملات التي تنفعهم وتفيدهم في هذه الحياة وليس فيها ضرر أصلاً.
والمعاملات التي أباحها الله للتعامل -بها- بين الناس، والتي يحصلون بواسطتها على كسب المال الحلال، دون أن يحصل منها ضرر على أنفسهم، ولا على مجتمعهم، ولا على إخوانهم- كثيرة جدًّا، ومن ذلك مبادلات البنوك التي ليس فيها ضرر، ومنها المعاملات التي فيها نفع للمشتري بتحصيل السلعة التي يقصدها، ونفع البائع بتحصيل كسب يقوم مقام تعبه وكده، ومقام سعيه في تحصيل هذا الربح.
فهذه المبايعات فيها مصلحة للبائع والمشتري، وهكذا سائر المعاملات مثل الصلح والإجارات والوكالات والمساقاة والمزارعات، وكذلك الكفالات والرهون وما أشبه ذلك من معاملات أباحها الشرع، ولكن جعل إباحتها في حدود حدها الله -عز وجل- في كتابه الكريم وفي سنة نبيه ، بحيث إنه لا يجوز تجاوز ما حده الله وما أباحه.
ومن المعلوم أن الأصل في المعاملات الحل؛ لأنها حلال قبل أن يأتي الشرع، فلما جاء الشرع أقر مما لا ضرر فيه، وحرم منها ما فيه ضرر كما هو معلوم.
وإن أضر ما على العباد تلك المعاملات الربوية التي فيها ظلم لأحد الجانبين، ونفع للجانب الآخر، فحرمها الله لما فيها من الضرر البيِّن، وكذلك معاملات الخداع، ومعاملات الغش، ومعاملات الغرر وما أشبه ذلك، لما كان فيه من الضرر لأحد المتبايعين، فحرمها رفقًا بالعباد؛ سيما الضعفاء منهم، فإذا كان في أي معاملة غش لأحد المتبايعين، أو مخادعة، أو ظلم، أو زيادة في القيمة استغلالاً للأموال واحتيالاً على الجهال، فقد دخلت كل هذه المعاملات في الضرر المحرم الذي ذكره النبي  بقوله: «لا ضرر ولا ضرار»( )، وذكره الله تعالى بقوله: وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ( ). ونحو ذلك. فهذه المعاملات لما كان لها من أثر سيئ على الفرد والمجتمع فقد منعنا -سبحانه وتعالى- منها، أما بقية المعاملات التي لم يرد نص في تحريمها فهي باقية على الإباحة.
ومن جملة المعاملات التي حرمها الله تعالى التعامل بـ «القمار» وهو الميسر، وفي هذه الرسالة المختصرة سوف نذكر -إن شاء الله تعالى- حكم القمار، وأدلة تحريمه، وأثره السيئ على الفرد والمجتمع، فإلى المقصود، والله المستعان وعليه التكلان.

* * * *

الأدلة على تحريم القمار «الميسر»

الدليل الأول: اقتران الميسر بالخمر والأنصاب والأزلام:

قال الله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ( ).
في هذه الآية الكريمة قرن الله تعالى الميسر -وهو القمار- بالخمر والأنصاب والأزلام، وهذه الأشياء لا شك في حرمتها، فكان هذا دليلاً على أن الميسر محرم.
والخمر معروف، وهو ما يشربه الإنسان؛ فيسكر فيفقد عقله كليًّا أو جزئيًّا، فيتكلم ويتصرف بدون تفكير وبدون عقل، فقد يزني وقد يقتل وقد يحرق وقد يطلق ونحو ذلك. فلهذا السبب جاء الشرع بتحريمه.
أما الأنصاب، فإن تعاطيها حرام لأنها وسيلة إلى عبادتها.
فالشيء الذي قُرِنَ بالأنصاب، وقُرِنَ بالخمر، وقرن بالأزلام- لا شك في حرمته وشدة مأثمه.

الدليل الثاني: تسمية الميسر رجسًا:
الرجس هو النجس، أما الرجز فهو الإثم، فالرجز كل ما فيه ضرر، وكل ما فيه مأثم، وقد سمى الله تعالى الأصنام رجسًا في قوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ( ). ويقال لها أيضًا رجزًا، وقد نهى الله عنه في قوله: وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ( ) بضم الراء، أو: وَالرِّجْزَ فَاهْجُرْ على قراءة بالكسر.

الدليل الثالث: أن الميسر من عمل الشيطان:
لقد بين الله تعالى أن الميسر من عمل الشيطان في قوله: مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ. وكل شيء من عمل الشيطان فإنه محرم، ذلك أن الشيطان حريص على إغواء بني الإنسان، وعلى إيقاعهم في الضلالات.
فإذا عرفت أن الميسر من عمل الشيطان فاعلم أن الشيطان ما أتاك به إلا ليخدعك وليغريك، ويوقع بينك وبين أخيك الشنآن!
فالشيطان عدو للإنسان، ولقد حذرنا الله من هذا العدو أشد التحذير فقال تعالى: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ( ).

وأخبرنا بأنه كاد لآدم وحواء، وكان سببًا في إخراجهما من الجنة، وأقسم لهما أنه لهما من الناصحين وهو كاذب، فقال تعالى: وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ( ).
وحذرنا الله من هذا العدو في قوله تعالى: يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ( ).
فهذا الشيطان إذن عدو للإنسان وهو حريص على غوايته، فالخمر والميسر والأنصاب والأزلام من عمله؛ يعني هو الذي جاء بها، وهو الذي وسوس بها إلى العبد والذي زين له أن يقترفها وأن يقع فيها.
فإذا عرفت الشيء الذي من عمل الشيطان فإن عليك الابتعاد عنه وتركه حتى تسلم، فإنه ما يريد إلا إهلاكك، ولا يريد إلا إغواءك!
والشيطان يتصل بقلب الإنسان، ويوسوس في الصدور، وقد أنزل الله فيه سورة وهي خاتمة السور، قال تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ( ).
فالوسواس الخناس هو الشيطان، أمرنا الله بأن نستعيذ برب الناس وملك الناس وإله الناس من شر هذا الشيطان، الذي يصل إلى الصدور ويوسوس فيها، ويبني فيها الشر، ويدعو إليه، ويزين الشرور بمظهر الخيرات، ويحبب أفكار الناس إليها، ويدفعهم إليها دفعًا.
ولكن قد جعل الله تعالى لحزبه وأوليائه حصنًا وملاذًا من شره، واصطفى صفوة وأخيارًا من عباده سلمهم من شر هذا الشيطان، وأمَّنهم منه، قال تعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ( ). فعباد الله الذين اصطفاهم قد عصمهم منه فليس للشيطان عليهم سلطة، وقد استثناهم الشيطان بنفسه في قوله: إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ( ).
وإذا عرفنا عداوة هذا الشيطان نعرف أنه قد أكد على نفسه أن يأتي بكل حيلة، وأن يأتي بكل وسيلة ليضل بني الإنسان، حتى ذكر الله عنه أنه قال: وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ( )، وقال تعالى عنه: لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا( ). يعني ذرية آدم إلا قليلاً، فسلطه الله علينا وأنظره، وقال له: إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ( ). يعني من المؤخرين، وقال له: اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ( ). يعني ائتهم بكل حيلة، وتسلط عليهم بكل سلطة، واعمل معهم بكل وسيلة تقدرها، فالشيطان حريص على الإضلال، وسيبذل كل جهده في إغواء كل إنسان.
وهذا النوع من المخلوقات له مكانة، وله قدرة على الإنسان، فقد أخبر النبي  أنه يجري من الإنسان مجرى الدم، يعني أنه يَنْفُذُ في الإنسان ويصل إلى أعضائه فيسري في جسده، كما يسري الدم في جسده، فقال : «إن الشيطان يجري من بني آدم كما يجري الدم»( ). ويوسوس في قلبه وهو لا يراه، قال تعالى: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ( ). يعني: هو ومن على شكله من الجن ونحوهم؛ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ولكن قد جعل الله لنا عصمة وحروزًا نعتصم بها منه، فالطاعة مثلاً حرز من الشيطان، وذكر الله حرز من الشيطان، والعبادات بأكملها وقراءة القرآن بتدبر، وكذلك الأذكار- حرزٌ أيضًا من الشيطان والتسبيحات، ونحوها. وهذه الحروز التي تمنعك من الشيطان متى قلتها بإخلاص وصدق فإنها تعيذك وتنفعك بإذن الله تعالى.
والحاصل: أن هذه الأشياء التي هي الخمر والميسر والأنصاب والأزلام قد جعل الله من أسباب تحريمها كونها من عمل الشيطان، يعني هو الذي عملها أو دعا إلى عملها، فهو الذي حرض على الأصنام إلى أن عُبدت!! وهو الذي دعا الناس إلى شرب الخمور!! وهو الذي يدعوهم إلى تعاطي هذا القمار!! وهو الذي يدعوهم إلى أن يعملوا الأزلام أو يتعاطوها!! إذن فهي من عمل الشيطان.
فإذا ما عرفت ذلك فتجنبها حتى تسلم من وساوس الشيطان، يقول تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ.

الدليل الرابع: الأمر باجتناب الميسر:
أمر الله تعالى باجتناب هذه الأربعة وهي الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، والاجتناب أبلغ من الترك، أي: ابتعدوا عنها، وهو أبلغ من أن يقول: اتركوها، والترك لا يقتضي المباعدة، ولكن الاجتناب أبلغ، أي اتركوها في جانب، واذهبوا في جانب بعيد عنها، ومن هذه الأربعة الميسر.
فالبعد عن الميسر أسلم، والقرب منها سبب للوقوع فيها أو وسيلة من وسائل الوقوع فيها، لذلك أمرنا الله تعالى بالتجنب يعني الابتعاد، فلا تقرب من أهلها ولا تصحبهم ولا تصادقهم ولا تعاملهم ولا تحبهم ولا تجالسهم ولا توادهم؛ بل ابتعد عنهم وانجُ بنفسك حتى تسلم على عِرْضِك، وحتى تسلم على دينك وعلى عقيدتك، فإنه يخاف عليك متى جالست هذه الأشياء، أو متى جالست اللاعبين بالقمار مثلاً، أو المتعاطين للخمور وما أشبهها؛ يخاف عليك أن يتدنس عرضك، ويخاف عليك أن تدانيهم، وأن تقع في شيء منها ولو قليلاً أو أن تحب شيئًا من ذلك أو ما أشبه ذلك، فهذا هو السبب في كون الله تعالى أمرنا بالابتعاد، في قوله: فَاجْتَنِبُوهُ يعني ابتعدوا عنه.

الدليل الخامس: حصول الفلاح بترك الميسر:
وذلك في قوله: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. والفلاح هو الفوز وهو الظفر وهو السعادة في الدنيا والسعادة في الآخرة ونيل المراد، والحصول على المطلوب، هذا هو الفلاح، فالمفلح هو الذي يحصل على مطلوبه.
ولكن متى يحصل لك الفلاح؟
إذا تجنبت هذه الأشياء ومنها الميسر، إذا ابتعدت عنها ومقتها وأبغضت أهلها، فإنك من المفلحين، يعني يُرجى لك أن تكون من أهل الفلاح، فهذا هو السبب في تعليق الله الفلاح على ابتعادك عن هذه الأشياء ومنها الميسر. فالشيء الذي يحصل الفلاح باجتنابه، ويحصل الهلاك بالاقتراب منه، ويحصل الدمار بفعله، ويحصل الضلال بتعاطيه؛ لا شك أنه محرم.

الدليل السادس: أن الميسر يوقع العداوة بين الناس:
يقول تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ يعني أن الشيطان حريص على أن يوقع بين الناس العداوة، والعداوة هي المقاطعة، يعني كون الأخوين يتقاطعان، وكذلك الصديقان يتقاطعان ويتباغضان، ويتهاجران، فالأخوة ونحوهم يتقاطعون وكل منهم يقاطع الآخر ويمقته ويسبه ويهجوه في غيبته وينتهك عرضه، ويرميه بما يشينه، وذلك كله بأسباب الخمر وبأسباب الميسر، قال تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ.

الدليل السابع: إن الميسر يوقع البغض بين الناس:
البغض هو مقت الإنسان للإنسان، وسخطه عليه، وكراهيته لأعماله، فإذا حصلت هذه البغضاء حصل من آثارها التقاطع والتهاجر والتدابر الذي يسبب الفرقة بين المسلمين.
وهنا نذكر بعض الأمثلة التي حدثت بسبب القمار وهو الميسر، فمن الأمثلة تلك الألعاب التي يلعبها الناس ثم يجعلون بينهم لمن غلب عوضًا يتعاطونه، فإذا غلب أحدهم أخذ تلك النقود، فإذا كانت هذه النقود كثيرة فإن أصحابه الذين أُخِذَت نقودهم يصبحون بلا مال، وقد تعوزهم الحاجة، وقد يفتقرون ويحتاجون إلى الاقتراض، ويدفعهم ذلك إلى الحصول على الأموال بوجوه متفرقة!!
وقد يكون بعضهم تعب في جمعها، ثم لعب هذه اللعبة الشيطانية فقامر، فيأخذ غيره تعبه وكد يمينه، فتُأْخَذُ الأموال منه بدون حق، وهو بلا شك سيمقت هذا الذي قهره ويبغضه، فإذا أبغضه لابد أن تقع بينهما عداوة، وقد تصل تلك العداوة إلى القتال، فتُحدث هذه العداوة قتالاً وشجارًا زيادة على التقاطع والتهاجر والتباغض الذي يسبب تفرق الكلمة بين المسلمين، وتشتت أمورهم، وذلك مما يسبب قوة أعدائهم عليهم واكتساح أموالهم، وأخذ بلادهم، كل ذلك بسبب هذا الخمر وهذا الميسر!
وقد أمر الله تعالى المسلمين بأن يكونوا إخوة متحابين، وأن يُذْهِبُوا ما بينهم من الشحناء ومن العداوة والبغضاء، وأمرهم بأن يتآلفوا، وسماهم مسلمين، ومنَّ عليهم بالأخوة الدينية، قال: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا( ).
فمنَّ الله عليهم بجمع كلمتهم بعد التفرق، وبتآخيهم بعد التقاطع، وبتحابهم وتصافيهم بعد أن كانوا أعداءً، وبتأليف قلوبهم التآلف الذي لا يقدر عليه إلا علام الغيوب، قال تعالى: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ( ). فدلنا على أنه يجب علينا أن نكون متآلفين، ويكره ويبغض أن نكون متعادين متقاطعين، فيجب على المؤمنين أن يكونوا يدًا واحدة، وأن يتعاونوا، وقد أمرهم الله تعالى بذلك في قوله: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ( ). وأمرنا تعالى إذا وقع قتال بين فئتين أن نسعى في الإصلاح بينهما حتى يتآلفوا، قال تعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ( ).
فأمرنا الله أن نصلح بينهم، وسماهم إخوة لنا ولو كانوا يتقاتلون، وأمرهم أن يتصافوا؛ لأنهم إخوة، ولكن هذا الشيء وهو الميسر يزيل تلك الأخوة، ويوقع بدلاً منها العداوة والبغضاء والشحناء والتهاجر والتدابر الذي قد نهى الله عنه، ونهى عنه رسوله .
فإذا عرفنا هذا الشيء، وعرفنا مضاره فيجب علينا أن نتجنبه وأن نبتعد عنه.

الدليل الثامن: أن الميسر يصد عن ذكر الله:
والصد عن ذكر الله تعالى دليلٌ آخر على حرمة الخمر والميسر وذلك في قوله: وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. فهذه اللعبة الشيطانية فيها أكبر مفسدة وهي أنها تصد عن ذكر الله، وهذا مشاهد فإن أهلها الذين يتعاطونها -حتى ولو كانوا على غير عوض- لابد أن يشتغلوا بها وقتًا طويلاً ويستلذون تلك اللعبة، ويزعمون أنهم يرفهون عن أنفسهم ويسلونها، فَيُذْهبُوا الوقت الذي هو أنفس الأشياء في هذه اللعبة، فيصدون بذلك عن ذكر الله وينشغلون عنه باللهو واللعب نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ( ).
ونقول لهم: كان الأولى بكم في وقتكم هذا الذي ضاع عليكم سبهللاً أن تشغلوه بذكر الله، فعندكم الذكر، وعندكم التدبر، وعندكم أشياء كثيرة، يمكن أن تشغلوا الوقت بها فيما ينفع، فتلك الألعاب لا فائدة فيها دينًا أو دنيا، إنما تشغلكم عن ذكر الله ودعائه وعبادته وتجلب لكم الغفلة وقسوة القلب.

الدليل التاسع: أن الميسر يشغل عن الصلاة:
والانشغال عن الصلاة شيء مشاهد، فالذين يلعبون هذه الألعاب الشيطانية ويشغلون بها أوقاتهم غالبًا يضيعون الصلوات، وينشغلون عن كثير من العبادات، وإن أتاها فمع سهو ووسوسة، وكثيرًا ما يسهرون طوال الليل فينامون عن صلاة الصبح أو يفوتهم بعض الصلاة، أو تفوتهم الجماعة!! أفلا يدل ذلك على أنها محرمة؟!

الدليل العاشر: الأمر بالانتهاء عن الميسر:
قال تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ وهذا دليل ظاهر على تحريمها، فقد أمرنا الله تعالى أن ننتهي عنها، والانتهاء بمعنى الترك والتوبة، ولهذا لما نزلت هذه الآية قال الصحابة: «انتهينا.. انتهينا»( ). يعني انتهينا عن شرب الخمر ولعب الميسر وغير ذلك، فقوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ الاستفهام هنا ليس على ظاهره، وإنما هو للطلب، يعني: فانتهوا، يعني: إلى متى لا تنتهون؟! إلى متى تتمادون في هذا اللعب؟! ألم يحن لكم وقت الانتهاء؟
أما عرفتم مضارها؟ ألا تنتهون؟
قالوا: بلى، انتهينا.
فهذه عشرة أدلة من الآية الكريمة على تحريم الميسر. والله أعلم.

صور من جلسات الميسر!

بعدما علمنا أدلة تحريم لعب الميسر نأتي إلى بعض صور هذا اللعب، وإن كان معروفًا لا يحتاج إلى تصوير، فيدخل فيه جميع الألعاب التي يتلهى بها البطالون، سواء أكانت على عوض أو على غير عوض، فكل الألعاب المشهورة تسمى قمارًا، وتسمى ميسرًا، وإن كان أغلب ما يسمى قمارًا هو الذي يكون على عوض.
وعلى الإنسان أن يعلم أن جميع الألعاب التي يتلهى بها ويضيع بها وقته محرمة بكتاب الله تعالى، كما في قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا( ).
وما أشد مطابقة هذه الآية على هؤلاء اللاعبين فإنها حقًّا منطبقة عليهم، وما ذاك إلا أنك متى أتيتهم وهم يلعبون فقرأت عندهم آيات من القرآن، فإنهم غالبًا سيمقتونك أو سيتفرقون، أو يبغضونك ويهربون منك! فهربهم هذا هو المذكور في الآية: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا( ).
يكاد أن يصم أذنيه عن سماع القرآن، وهو قبل ذلك راغب ومنبسط، فرح ومستبشر بلعبته وبلهوه ووبباطله، فلما قرأت عليه شيئًا من كلام الله، أو قرأت عليه شيئًا من كلام الرسول ، أو بحثت عنده في باب علمي من الأبواب المفيدة التي يهم البحث فيها- أغضبه ذلك، وضاق ذرعًا به ومقتك، وترك ما هو عليه، وهرب ليطلب مكانًا لست فيه، ليلهو فيه بباطله!
ثم هو في الحقيقة لهو، واللهو باطل، فإن اللهو هو كل ما يتلهى به ويُشغِل الوقت بلا فائدة، وقد ذم الله الذين يشترونه، فهذا الكلام الذي يتكلمونه هو من لهو الحديث، فتراهم يتكلمون بقهقهة وضحك، وبكلام لا فائدة فيه ولا أهمية له!
ولا تخلو هذه الألعاب من الشتم والعيب والقذف والسباب واللعان وما أشبه ذلك!
وما ذلك إلا أنها ألعاب حضرها الشيطان، وكل شيء حضره الشيطان لابد أن تظهر عليه آثار هذا العمل، وآثار عمل الشيطان!
فلأجل ذلك نجدهم دائمًا في سباب، وربما يلعن أحدهم نفسه، وقد يلعن أخاه، ويلعن والديه.
ولا شك أن هذا من الأدلة على تحريمها.

* * * *

سبيل التطهر

معلوم أنك -أيها الإنسان- مأمورٌ بأن تحفظ وقتك، فلا تضيعه في هذا اللعب، سيما إذا كان فيه هذا القمار الذي هو بعوض، وكذلك إذا كان بغير عوض.
فهذه الألعاب يجب أن نعرف مضارَّها ونتجنبها، ولا فرق أن تكون بأوراق أو غيرها من سائر تلك الألعاب بأنواعها، فكل هذه الألعاب بمختلف مسمياتها مما يتلهون بها داخلة في التحريم، وتدخل تحت اسم القمار والميسر، وواجب علينا أن نسعى في تفريق أهلها، وأن نسعى في إتلافها متى وجدناها، فمتى وجدت هذه الأوراق التي يلعبون بها ومزقتها وأحرقتها، فإنك بذلك تكون قد أزلت منكرًا وغيرته وتدخل في قول الرسول : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده...»( ).
وقد ورد النهي عنها في حديث مرفوع عن النبي  وورد الوعيد لأهلها، قال : «من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده بلحم خنزير ودمه»( ). يعني: الذي يلعب بها كأنه قد صبغ يديه بلحم خنزير ودمه، ومعلوم أن الخنزير نجس ورجز، وأن دمه أشد نجاسة لكون الدم نجسًا أيًّا كان؛ دم إنسان أو دم حيوان يؤكل لحمه، فكيف إذا كان دم خنزير؟!
فإذا كانت هذه حالته، فإن ذلك الذي قد لعبه قد لوّث عرضه، وقد لوّث يده، وقد لوّث نفسه، وقد جلب إلى نفسه نجاسة معنوسة! فعليه أن يطهر نفسه من هذا الباطل حتى يسلم على عرضه وعلى دينه.

* * * *

حجج واهية

قد يسوق بعض اللاعبين حججًا واهية: كأن يقول بعضهم: إنما نفعل ذلك عن رضا! فالذي يضع النقود إنما يضعها عن رضا وليس قهرًا!! فإذا قامر أحدهم فإنه لا يأخذ إلا ما أعطوه برضاهم.
فنقول: صحيح أنهم قد وضعوا أموالهم برضا، ولكن كل منهم وضعها وهو يأمل أنه الكاسب وأن يكون هو الذي يُحصلها، فإذا ذَهَبَتْ منه فإن صاحبها الذي أخذت منه سيتصف بالبغض لصاحبه وسيمقته على ذلك ويبغضه، وتتسع العداوة فيما بينهم، ولو كان ما أخذها إلا بسماحة نفس، فلو كان قد أخذها بقهر لكان له أن يشتكي مثلاً أو يتغلب عليه، أو يحرص على أن يسترجعها منه ويستدعي من يأخذها منه، لكنه أخذها بما يشبه الرضا في الظاهر، وإن كان القلب منطويًا على أنه ممقوت ومبغوض!
* كذلك نقول للذين يقولون: إنما ننشغل بهذه الألعاب عن القيل والقال، وعن أعراض الناس، وعن الكلام فيما لا فائدة فيه!!
ويقولون: إنما ننشغل بها، ونقطع بها الوقت، فإن الليل قد يطول علينا، ونستطيل النهار فنمضيه في هذا اللعب حتى لا نشعر بطول الزمان، وطول اليوم، ولا بطول الليل، فإن النفس تملّ من طول الفراغ وتسأم من الجلوس بدون عمل فنعدل إلى ما نتسلى به ونقطع به الوقت.
هكذا يتعللون، ويزعمون أنهم يفعلون ذلك لهاتين الفائدتين:
الفائدة الأولى: أنهم يشتغلون بها بزعمهم؛ لأنها تنأى بهم عن الخوض في أعراض الناس!
والفائدة الثانية: أنهم يشتغلون بها ليقطعوا بها الوقت، وليقضوا بها النهار، وليفرغ الزمان دون أن يشعروا بطوله! ذلك أنهم يشتكون من الفراغ الطويل الممل، ويشتكون أنهم ليسوا في عمل يقطعون به الزمان، فيحبون أن يعملوا حتى لا يشعرون بملل ولا سأم!!
فنقول: أما الحجة الأولى فواهية، ذلك أنكم لستم بملزمين أو مأمورين بالكلام في أعراض الناس، فمن الذي ألزمكم أن تتكلموا في أعراض الناس؟! فليس لكم حاجة في أعراض الناس، حتى تكونوا مجبرين على الكلام فيها.
ثم إنهم جهلاء، ومع ذلك لا يتعلمون! فيكون عندهم فراغ، ومع ذلك لا يشغلونه بذكر الله، ويكونون أيضًا بحاجة إلى تعلم القرآن، وإلى تعلم السنة، وهم مع ذلك فارغون، فيمضون أوقات الفراغ في هذا اللعب!
ونقول لهم: لماذا لا تجعلون بدل هذا اللعب تعلمًا وقراءةً وذكرًا وتذكرًا وما أشبه ذلك، فتستفيدون بذلك، هذا إذا لم تكونوا مشتغلين بأشغال دنيوية، فإذا كنت كذلك فإن ذلك أيضًا شغل مباح، فأنتم إما أن يُطلب منكم الشغل في الأعمال المباحة التي هي أعمالكم الدنيوية من بضاعة وتجارة ومكاسب، وما أشبه ذلك، فمتى اشتغلتم بها كسبتم، وحصلتم على الرزق الحلال، وقضيتم أيامكم وأشهركم وسنواتكم دون أن تشعروا بملل وسأم وفراغ، وحصلتم على نفع دنيوي وسلمتم من هذا الضرر، وسلمتم من هذا المأثم.
وكذلك إذا لم تكونوا بحاجة إلى التكسب ولا بحاجة إلى الأعمال الدنيويَّة، وكان عندكم أوقات فراغ فاشغلها -أيها المسلم- بالذكر والتسبيح والتكبير والتحميد، واشغلها بالتفكير في المخلوقات العلوية والسفلية، والنظر والاعتبار في آيات الله وما تدل عليه، فهو أفضل ما تشغلون به الأوقات دون أن تحتاجوا إلى اللعب الذي تقطعون به أوقاتكم. فاشتغلوا بذلك حتى ينقضي الوقت دون أن تشعروا بالملل ودون أن تحتاجوا إلى ما تقضون به أوقاتكم.
كذلك نقول للذين يدَّعون أنهم إنما يفعلون ذلك ابتعادًا عن الخوض في أعراض الناس:
نقول: إنكم إذا انشغلتم بالقمار والميسر أو انشغلتم بالغيبة والنميمة، والقيل والقال أيهما فعلتم!! فإنكم بذلك لم تسلموا من المآثم، ووقعتم في مأثم آخر يشبه المأثم الأول الذي قد تركتموه، فكنتم كالمستجير من الرمضاء بالنار! تركتم معصية ووقعتم في معصية أخرى!! قلتم: نترك القيل والقال، ونشتغل باللعب والقمار وباللهو والباطل، فهذا حرام، وهذا حرام!! تركتم بابًا من حرام، وأتيتم بابًا آخر!!

ثم نقول لكم: لستم محتاجين إلى القيل والقال! ولستم بالمكرهين على الإتيان به!
تقدرون أن تسكتوا، وتستطيعون أن تتكلموا في شيء ليس فيه تعرض لأحد بنقيصة ولا بعيب، ولا بنميمة، ولا باغتياب أحد، فتسلمون من هذا كله، ولا تقعوا في هذا اللعب ولا في هذا القمار!


* * * *

أنواع من القمار

يتضح مما سبق أن القمار هو اللعب بالميسر، وبالألعاب الشيطانية على عوض، وأنه محرم، وأن العوض الذي يُبذل فيه مُحرم، حتى ولو كان الباذل له راضيًا، فإن هذا الرضا لا يجعله حلالاً!
لأنه لا يجوز لأحد أن يبذل ماله إلا في حدود ما شرع الله؛ فإن الله تعالى حرم الربا مع كونه لا يبذله صاحب إلا بالرضا، ولكن لأن فيه مضرة لأحد المتبايعين فهو حرام، وكذلك القمار الذي هو المال المبذول في اللعب، هو أيضًا حرام ولو كان صاحبه قد رضي ببذله، وقد أعطاه إياه عن قناعة ورضا، وذلك لما يسببه من الأضرار التي أشرنا إليها سابقًا.
ونشاهد كثيرًا من الناس يقعون في بعض أنواع القمار من حيث إنهم يعتقدون إباحتها، ويكتسبون بواسطتها أموالاً كثيرة من الناس اعتقادًا في حلها!
ومن هذه الأنواع ترويج السلع بأنواع من الدعايات المضللة التي يخدعون بها الناس ويوقعونهم فيها، وهي لا تستحق ذلك المدح، وهذا من القمار! لأنهم قامروا وخدعوا الناس حتى أوقعوهم فيها، واعتقد الناس أنها -كما يقولون- مع أنها ليست كذلك، فزادوا في قيمتها، فلهذا السبب كانت حرامًا، ولو لم يكن أخذ ذلك العوض عن اللعب.
والذين يأتون بتلك الأفعال والدعايات يزعمون أنهم ناصحون عندما يدعون إلى تلك الأعمال، وبهذا يجمعون من الناس أموالاً كثيرة.
ومن أنواع القمار ما يفعله بعض التجار الذين يجعلون جوائز مغرية لمن اشترى من بضاعتهم كذا ولمن أتاهم بكذا، فيظهرون مثلاً عشر جوائز، ثم يجعلون عوضها أن يشتري الناس كذا وكذا من السلع وما أشبه ذلك! فتجد الناس يتهافتون على شراء تلك السلع رجاء أن يحصلوا على جائزة من تلك العشر.
فإذا ظهرت النتيجة تبين أنهم قد أخذوا من الأموال ومن الأرباح ما لا حق لهم فيه، وعند النهاية يعطون الجوائز بعض أصدقائهم، ويقولون: فاز بها فلان وفلان!! وتذهب تلك الأشياء على أولئك الذين يسعون طوال أوقاتهم رجاء الفوز بها!
وقد فعلوا مثل ذلك حتى في الأعمال المحرمة مثل الدعاية إلى شرب الدخان ونحو ذلك؛ لأن تُجَّاره وسماسرته أرادوا من الناس أن يتهافتوا على شرب الدخان! وجعلوا لمن جمع لهم من الباكتات كذا وكذا جائزة، أو جعلوا لمن أتاهم بعلامة في بعض الباكتات جائزة، وأرادوا من الناس أن يقعوا في مثل هذا الحرام! وأرادوا كذلك من الناس أن يشتروا سلعتهم بثمن باهظ، وأن يأخذوا أموالهم بذلك، وأغووهم بهذه الجوائز التي قد تصل إلى سيارة مثلاً، كل ذلك من أجل أن يحثوا الناس على أن يفعلوا هذه الأفعال ليكتسبوا أموالهم، فتربو بذلك تجارتهم وتكثر أموالهم على حساب المستهلكين وعلى حساب ضعفاء الناس، فيقول الواحد: ما عليَّ لو دفعت ريالاً أو خمسة أو ما أشبه ذلك؟! ربما أدفع هذه الخمسة فلا تضر بي، فأكسب من ورائها ألفًا أو سلعة بألفين أو عشرة آلاف!! فيدفعها، ويقول: لا تضر، وما يدري أن هذه الخمسة التي دفعها قد أعان بها على المنكر، وأنه لو أمسكها على نفسه لوجد لها مصرفًا يصرفها فيه؛ فإن ذلك أجدى من أن يعين بها هؤلاء الطغاة والبغاة، الذين حرصوا على اكتساح واكتساب أموال الناس بالباطل!
ويدخل في القمار أيضًا ما يسمى في هذا الزمان بـ «اليانصيب» وله صور وأشكال كثيرة. ولقد صدرت فتوى من هيئة كبار العلماء ومن اللجنة الدائمة للإفتاء بتحريمه وأنه من أنواع القمار.
ويدخل أيضًا في أنواع القمار ما يفعله المشعوذون، وهذا أيضًا عمل شيطاني، وهو للأسف قد انتشر في هذه البلاد، وفي بلاد أخرى تنتمي إلى الإسلام، أو غيره!
ذلك أن هناك أناس، يستخدمون الشياطين فإذا استخدموا الشيطان استطاعوا أن يدوروا على الإنسان ويمثلوا له الشيء بغير صورته، وأن يغشوا على بصره ويلبسوا عليه فيخيل إليه الشيء بغير ما هو عليه، وجميع حيلهم شيطانية، وبعدها يكتسحون ما معه من مال، فيأخذون الأشياء التي معه دون أن يشعر هو بشيء؛ حيث يفعلون ذلك وهو في غفلة كشبه المغمى عليه.

فهذا قمار شيطاني يفعله هؤلاء المشعوذين، فيحتالون على أموال الناس ليأكلوها بالباطل.
وهؤلاء ينبغي الحذر منهم، وينبغي أن نعرف حيلهم الشيطانية، ونعرف أولاً أنهم شيطانيون سحرة!
فهم لا يفعلون ذلك إلا بعدما تساعدهم الشياطين، فهم يتقربون إلى الشيطان، وينادونه باسمه، وقد يعبدونه وقد يركعون له، ويسجدون له، وقد يتركون لأجله شيئًا من العبادات، وقد يفعلون شيئًا من النجاسات ويطيعونه، وما أشبه ذلك!!
فالشيطان يقدر أن يتمثل للإنسان في صورة غير صورته؛ لأن الله أعطاه قوة التشكل، وما أعطاه أعطى الجاني مثله!
فإذا وصل إلى هذه الحالة يستطيع أن يُزَوِّر على الناس، فيظهر مثلاً الورقة التي يظنها الإنسان من فئة المائة ريال وهي من فئة الريال مثلاً فيعطيه إياها، ويقول: هذه المائة أعطني بها كذا وكذا!!
وكذلك قد يأخذ النقود التي في جيبه دون أن يشعر ذلك الإنسان به!
فهؤلاء الذين كثرت حيلهم وأعمالهم الشيطانية هم من المقامرين، فأفعالهم هذه قمار يأخذون بها أموال الإنسان بحيل شيطانية!

الشرع
ومصارف الرزق الحلال

إن الله -سبحانه وتعالى- كما بيّن لنا ما فيه صلاح ديننا، كذلك بيّن لنا ما فيه صلاح دنيانا.
ومن ذلك فقد بيّن لنا سبحانه كيف نكسب المال، وفي الوقت نفسه نهانا عن إضاعته، وذلك دليل رحمة الله بالعباد وإرشادهم إلى ما فيه مصلحتهم؛ ذلك أن الإنسان لا يستغني في حياته عن تملك المال، ولا يستغني عن أن يكون له مال ينفق منه ويتعفف به ويقوت به من يعوله.
وقد بيّن الله لنا وجوه المكاسب الحلال، وكذلك بيّنها لنا الرسول ، وكذلك بيّن الله لنا أيضًا وجوه المكاسب المحرمة التي فيها ضرر، سواء أكان خاصًّا أو عامًّا حتى نكون على بصيرة من ديننا، فإذا اقتصرنا على المكسب الحلال، وتجنبنا الحرام؛ بورك لنا في سعينا، وبورك لنا في المال الذي بين أيدينا، ونبتت أجسادنا من المال الحلال، فإذا نبتت أجسادنا وأجساد ذريتنا من المال الحلال صلحت به قلوبنا، ثم صلحت به أعمالنا؛ بخلاف ما إذا تعاطينا المال الحرام الذي يكتسب من أي وجه من الوجوه المحرمة، من قمار أو ميسر أو غيره، فإن اللحم الذي ينبت على حرام يكون معرضًا للعذاب، روي عنه  أنه قال: «كل لحم نبت على سحت فالنار أولى به»( ). يعني: تغذى على حرام، والسحت هو المحرم، قال الله تعالى: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ( ).
فإذا تغذى الإنسان بهذه المكاسب من القمار والميسر وما أشبهه، ونما بها مالُه ونما بها جسده وخلفها لولده، كانت هذه الأجساد التي تغذت بهذه الأشياء المحرمة وقودًا للنار والعياذ بالله؛ وكان ذلك زادها في الآخرة إلى العذاب، بخلاف ما إذا حمى الإنسان نفسه وحرص على اكتساب الحلال فإن ذلك له فوائد عديدة.
كذلك أيضًا يَرِدُ عن بعض الأعداء أو بعض الملاحدة الذين يقولون: ما للشرع والتدخل في الأمر! فالناس أحرار في أموالهم، يفعلون ما يريدون، ويكتسبون ما وقع بأيديهم، وما حصلوا عليه؟!! فيقصرون الشرع على العبادات، وعلى الأمور الغيبية وما أشبهها!!
لا شك أن هؤلاء الذين يقولون مثل هذه الأشياء هم رسل الشيطان، وهم دعاة الملاحدة ودعاة الكفرة الذين يدَّعون أن الناس أحرار في أموالهم، يفعلون ما يريدون، يعطون الأموال لمن يريدون، ويكتسبون حلالاً وحرامًا!! وينفقون فيما اشتهوا من غير أن يلحقهم لوم ولا عيب عليهم في إسرافهم ولا في تبذيرهم ولا في سرقتهم ولا في أكلهم المال بالباطل!!
فيبيح هؤلاء الأعداء للناس بأن يأخذوا المال من حيث أرادوا، ويقول أحدهم: إن الحلال ما حلَّ في يدي! ولا فرق عند أحدهم بين المال المسروق والمغتصب والمنتهب والمقمور، وما أشبه ذلك، ويتهمون الشرع بالتدخل فيما لا يحل له، وفيما لا يعنيه ويقصرونه على المسجد، فليس له دخل في المعاملات ولا في النظم، ولا في الأحكام، ولا في المعاهدات ولا في الأموال، ولا في المبادلات وغيرها!!! هكذا ينشر ويتكلم هؤلاء الشياطين ورسل الشياطين.
ولا شك أن هذه حجج باطلة، وأن الشرع تعرض لكل شيء فيه نفع الإنسان، وإنما أمرنا بما فيه صلاحنا، ونهانا عما فيه ضرر علينا، سواء أكان في ديننا، أو في دنيانا.
كما أن الشرع بيَّن لنا ما نعتقده، وما نعقد عليه قلوبنا، فكذلك بين لنا ما نتعامل به، وما نتطوع به، وما نتعبَّد به، وما نفعله لطلب -رضي الله تعالى-.
كذلك بيَّن لنا الشرع ما نعمله مع بني جنسنا، وما نعلمه من الأسباب التي نكتسب بها الرزق الحلال، وبين لنا الأشياء المحرمة حتى نتجنبها.
وبيَّن لنا أيضًا المعاملات التي متى تعاملنا بها مع المسلمين حصلت فيما بيننا الأخوة والصداقة، والأشياء التي متى عملناها حصلت فيما بيننا البغضاء والشحناء والمقاطعة والعداوة، وما أشبه ذلك.

وكذلك بين لنا الشرع: أن الرزق الحلال سبب لإجابة الدعوات، وسبب لسعادة الدارين فقال الرسول : «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وأن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ( ). وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ( ). ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء، يا رب.. يا رب ومطعمه من حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنى يستجاب له»( )؟!
فبين بذلك أن الحلال سبب لإجابة الدعوة، وأن الحرام سبب لردها وعدم قبولها، لذلك أمر النبي  سعدًا بإطابة المطعم، لما طلب منه أن يكون مستجاب الدعاء. فقال : «أطب مطعمك تطن مستجاب الدعوة»( ).
فهذا رد على هؤلاء الأعداء، نقول لهم: إن الله تعالى قد أجرى العادة بأن طِيب المطعم سبب لإجابة الدعوة وخبيثه سبب لردها.
فأنتم الذين أبحتم للإنسان أن يكتسب ما حل بيده، وأن يسرق وأن ينهب، وأن يقامر، وأن يفعل كل ما يكون سببًا للحصول على المال من غير نظر للأحكام الشرعية التي هي حلال وحرام، قد أمرتموه بأن يتعاطى الأسباب التي تكون سببًا في رد دعوته، وتكون سببًا في تعذيبه في الدار الآخرة.
نصيحة أخيرة

ذكر العلماء أن التغذي بالحلال يكون سببًا في حسن المعتقد، فإذا كان غذاؤك حلالاً ومكسبك حلالاً؛ فإن عقيدتك ستكون سليمة، وقلبك سيكون سليمًا وصافيًا، لا تقربه وسوسة الشيطان، ولا تؤثر فيه أشباه ذلك.
فتلك نصيحة للذين يتعاطون هذا الكسب الشيطاني الذي هو القمار، وغيره من المكاسب المحرمة.
نصيحة لهم أن يعوا وينتبهوا، ويعلموا أنفسهم أنهم ما فعلوا ذلك إلا عن دعوة من الشيطان، فليعصوا الشيطان، ويطيعوا الرحمن، ويعرفوا أن جميع هذه الحيل إنما هي من أنواع القمار، وهي محرمة بنص الكتاب والسنة، وأنهم متى تابوا قَبِل الله توبتهم وإنابتهم إليه، وحينئذ إذا أرادوا أن يتخلصوا من الحرام أمكنهم ذلك ولكن بعد أن يصدقوا التوبة.
فإذا أراد أحدهم أن يتوب وقد دخلت عليه أشياء من هذه الأموال المحرمة التي اكتسبها من هذا القمار ونحوه، فعليه أن يرد تلك الأموال إلى أصحابها، يقول: هذا المال الذي اكتسبته يا فلان، وأخذته منك بوسيلة القمار، وإذا جهلهم ولم يعرفهم- فإن الحيلة أن يتصدق بقدره وينويه لأربابه حتى يسلم من إثمه ولا يخلط ماله الحلال بذلك المال الحرام، فإنه متى خلط الحلال بمحرم أصبح المال مشتبهًا، فأوجب على الإنسان أن يتركه كله، أو يتجنبه كله، وفي ذلك مشقة.
ولكن الحيلة سهلة وميسرة، وهي إخراجه قبل أن يختلط، أو إخراج قدره إذا كان قد اختلط ولم يمكن تمييزه.
وبذلك نأتي على هذا النموذج وما يتعلق به من فعل قد تمكن وكثر أهله والدعاة إليه، وعلى كثير من المسائل المتعلقة به.
أسأل الله أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

الساهر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-28-2013, 05:39 AM   #2
كبير مراقبى منتديات ايجيبت سات
 

افتراضي

ابو ساره 2012 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-28-2013, 10:00 AM   #3
صديق المنتدى
 
الصورة الرمزية abood
 

افتراضي

abood غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
بالقاهرة وليمة الموت حسام مشعل أخـــبار مصر ( ام الدنيا ) 0 08-01-2014 09:56 PM
زوجة أحد أبناء الأسرة الحاكمة في عمان تقاضي فندقا بعد خسارة ملايين الدولارات في القمار sympat05 الاخبار العربية والخليجية 0 07-04-2014 01:56 AM
اليوم منصور ومحلب يفتتحان مترو مصر الجديدة حسام مشعل أخـــبار مصر ( ام الدنيا ) 2 05-08-2014 05:58 AM
بالمحلة غرق رقيب ونجلته ونجلة زميله بزفتى حسام مشعل أخـــبار مصر ( ام الدنيا ) 0 04-28-2014 02:24 PM
كل يوم حكمه ==@@@ ابو ساره 2012 المنتدى الأسلامى العام 5 02-20-2013 02:58 PM


الساعة الآن 04:38 AM


1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123