Loading...




المنتدى الأسلامى العام General Islamic Forum


إنشاء موضوع جديد  إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-01-2013, 03:47 PM   #1
صديق المنتدى
 


افتراضي سورتا التين والعلق

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته



سورتا التين والعلق


سورة التين:

يقول - تعالى -: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ * فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ).

تفسير الآيات:


يُقْسِمُ الله - تعالى - بالتين والزيتون وهما معروفان، وخصَّهما بالذكر تشريفًا وتكريمًا.

قوله - تعالى -: (وَطُورِ سِينِينَ): وهو الجبلُ الذي كلم الله عليه موسى –عليه السلام-، (وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ) يعني مكة، (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) هذا هو جوابُ القسم، وهو أنّ الله خلق الإنسان في أحسن صورة، كما قال - تعالى -: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) [غافر:64]، وقال - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) [الانفطار:6-8]، وهذه نعمةٌ تستحق الشكر، فمن آمن فقد شكر، ومن كفر فقد كفر، وسيردّ إلى أسفل سافلين، كما قال - تعالى -: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) أي إلى النار، والنارُ دركاتٌ بعضُها أسفل من بعض، والأسفل أشد عذابًا من الذي فوقه، قال الله - تعالى -: (إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) [النساء:140]. وقال: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) [النساء:145]، ومن رُدَّ إلى النار قَبُحَ منظره، وساءت صورته، قال الله - تعالى -: (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ) [المؤمنون:9-10]، أي: عابسون، وقد بدتْ أسنانُهم، وتقلصتْ شِفاههم كالرأْسِ المشويّ على النار.

وقال - تعالى -: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أَوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) [عبس: 40-42].

وقال - تعالى -: (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا) [يونس:27]، وقال - تعالى -: (وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا) [طه:102]، وأَقْبَحُ صورةٍ أن تكونَ الوجوهُ سودًا والعيونُ زُرقًا.

وقال النبي –صلى الله عليه وسلم-: ((إِنَّ غِلَظ جلد الكافرِ اثنان وأربعون ذراعًا، وإنَّ ضرسَه مثل أُحدٍ، وإنَّ مجلسه من جهنم ما بين مكة والمدينة)) صحيح رواه الترمذي.

فانظروا -رحمكم الله- ما أقبح هذه الصورة، وما كان أحسنَ صورةَ هذه الإنسان في الدنيا، نسأل الله السلامة والعافية.

ثم استثنى ربنا من ذلك المصير مَنْ آمن وعمل صالحًا، فقال: (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، يعني: أنّهم في جنات النعيم، على صورةٍ أجمل من الصورة التي كانوا عليها في الدنيا، كما قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: ((إِنَّ أول زمرةٍ يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم كأشد كوكبٍ دُرِّي في السماء إضاءة)) متفق عليه.

ثم يُزاد في جمالهم كل أسبوع، كما قال –صلى الله عليه وسلم-: ((إنَّ في الجنة لسوقًا يأتُونها كل جمعة، فتهبّ ريحُ الشمال، فتحثو في وجوههم وثيابهم، فيزدادُون حُسنًا وجمالاً، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حُسنًا وجمالاً، فيقول لهم أُهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حُسنًا وجمالاً، فيقولون: وأنتم واللهِ لقد ازددتم بعدنا حُسنًا وجمالاً)) رواه مسلم.

وقوله - تعالى -: (فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) أي: أجرٌ دائمٌ غير منقطع، كما قال - تعالى -: (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) [هود:108]، وكما قال - تعالى -: (إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ) [ص:54].

وقوله - تعالى -: (فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ) يعني: فمن هذا الذي يكذبك يا نبينا وقد جئتهم بالبينات والهدى؟ ومَنْ هذا الذي يكذّب بالحساب والجزاء؟ (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ)، بلى، ومِنْ حكمته أن يبعثَ الناسَ بعد الموت، (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) [النجم:31]، ولو لم يكن بعثٌ كما ظنّ المكذبون لاستوى الظالم والمظلوم، والبر والفاجر، والمؤمنُ والكافر، والله قد نفى التسوية بينهم جميعًا: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لاَ يَسْتَوُونَ) [السجدة:18]، (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) [القلم:35].

فلا بدَّ من البعث للفصل بين العباد، ومجازاة كل عاملٍ بعمله، لأن عدم البعث يتنافى مع حكمة الله - عز وجل - (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) سبحانك بلى.

سورة العلق:

يقول - تعالى -: (اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ* كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى* أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى* إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى* أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى* عَبْدًا إِذَا صَلَّى* أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الهُدَى* أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى* أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى* أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى* كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ* نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ* فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ* كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ).

بين يدي السورة:


سورة مكية، وصدرها أول ما نزل من القرآن، وهو يحكي كيف بدأ الوحي، وما بعد ذلك من الآيات فإنه يذكر حقيقة من حقائق الإنسان وهي أنه إذا استغنى طغى إلا من رحم الله، ثم تذكُر قصة الشقي أبي جهل ونهيه النبي –صلى الله عليه وسلم- عن الصلاة، وتوعد الله إياه: (كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ).

تفسير الآيات:


روى البخاري بسنده عن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - أنها قالت: ((أول ما بُدئ به رسول الله –صلى الله عليه وسلم- من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه -وهو التعبد الليالي ذوات العدد-، قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني، فقال: (اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ)، فرجع بها رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد - رضي الله عنها -، فقال: زملوني، زملوني. فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كَلاَّ والله، ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصلُ الرحم، وتحملُ الكلّ، وتكسبُ المعدوم، وتقري الضيف، وتعينُ على نوائب الحق.

فانطلقتْ به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عمّ خديجة، وكان امرءًا تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عَمِيَ فقالت له خديجة: يا ابن عمِّ، اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله –صلى الله عليه وسلم- خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكونُ حيًا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله: أَوَ مخرجيَّ هم؟ قال: نعم، لَمْ يأت رجلٌ قط بمثل ما جئت به إلا عُودي، وإنْ يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم ينشب ورقة أن تُوفي، وفتر الوحي)) متفق عليه.

قوله - تعالى -: (اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) يعني: لتكن قراءتك باسم ربك، باسم الله، لا باسم غيره، وإنما باسم الله، (الَّذِي خَلَقَ)، والخَلْقُ: يقتضي الربوبية، فالله - سبحانه وتعالى - هو رب العالمين؛ لأنه الذي خلقهم، (خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ)، والمقصود بنو آدم لا الإنسان الأول الذي هو آدم نفسه، وأما قوله - تعالى -: (خَلَقَ الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ) [الرحمن:14]، فالمراد به الإنسان الأول آدمُ - عليه السلام -، وقد جمع الله بين الاثنين، وبين أصل كل منهما، في قوله: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ) [السجدة:7-8]، والعلق: دُودٌ أسودُ في الماء معروفٌ، كذا في لسان العرب، والمرادُ به في الآية الحيوانات المنوية، وقوله - تعالى -: (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ)، فليس بعد كرم الله كرم، وما النعم التي يتقلب فيها العباد إلا من فيض كرمه - سبحانه -، ومن كرمه هذا الوحي الذي أَوْحاهُ إلى نبيه رحمةً للعالمين، ولقد عرفَ السلف قدر هذه النعمة، وبَكوا حين فقدوها، فعن أنس - رضي الله عنه – قال: قال أبو بكر لعمر - رضي الله عنهما - بعد وفاة الرسول –صلى الله عليه وسلم-: "انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يزورها، فلما أتيا إليها بكت. فقالا لها: ما يبكيك؟ أما تعلمين أن ما عند الله خيرٌ لرسول الله؟ قالت: بلى، إني لأعلم أن ما عند الله خير لرسول الله، ولكني أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكان معها" رواه مسلم.

وقوله - تعالى -: (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)، إن الإنسان يخرج من بطن أمه لا علم عنده، ثم يتعلم، وقد وهبه الله الحواس التي هي وسائل التعلم، كما قال - تعالى -: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النمل:78]، فالواجب على كل إنسان أن يستغل هذه الحواس في تعلّم دينه والتفقه فيه، فقد قال –صلى الله عليه وسلم-: ((من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين))، ومن عجز عن التعلم فليسأل العلماء، فإن الله - تعالى – قال: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) [النحل:43].

وكَوْن هذه الآيات أولّ ما ينزل دليلٌ على أن الإسلام دينٌ يقوم على العلم، وينبذ الجهل ويعيبه، كما ينبذ التقليد ويذمه، ذلك أن العلم هو السبيل الوحيد إلى الإيمان، وقد فهم الإمام البخاري - رحمه الله - هذا فصدر كتابه الصحيح بكتاب كيف بدأ الوحي، وثنى بكتاب الإيمان، ثم ثلّث بكتاب العلم، وكأنّه - رحمه الله - يريد أن يقول: إنّ أول واجبٍ على المكلف الإيمانُ، وأن الإيمان سبيله العلمُ، وأنّ العلم مصدره الوحي بشقيه الكتاب والسنة، فاقرءوا يا أمة الإسلام، وتعلّموا يا أمة القرآن (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ) [المجادلة:11]، ولقد سبق الكلام في فضل العلم عند تفسير هذه الآية من سورة المجادلة.

قوله: (كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى)، روى مسلم في صحيحه بسنده عن أبي هريرة - رضي الله عنه – قال: "قال أبو جهل: هل يُعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قال فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، أو لأعفرن وجهه في التراب، قال: فأتى على رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وهو يصلي، -زعم ليطأ على رقبته- قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيده، قال فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهَوْلاً وأجنحة. فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: ((لَوْدنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا))، قال فأنزل الله - عز وجل -: (كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى) الآيات.." إلخ.

وهذا كما يقول العلماء من العام المخصوص، لأنّا رأينا أغنياء لا يظلمون ولا يبغون، رأينا أغنياء صالحين (فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) [الذاريات:19]، (الذين يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِالَّليْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً) [البقرة:274]، (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا) [الإنسان:8-10].

يدّل على تخصيص الآيات قوله - تعالى -: (إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا* إِلاَّ المُصَلِّينَ .. الآيات) [المعارج:19-22].

وقوله - تعالى -: (إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى)، تنبيه لذلك الغافل، وتذكير لذلك الضال، أيها الباغي الطاغي (إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى)، فإلى أين أنت ذاهب، (وأَنَّ إِلَى رَبِّكَ المُنتَهَى) [النجم:42]، فلماذا هذا الظلم؟ ولماذا هذا الطغيان؟ فأفق من غفلتك، وانتبه من رقدتك، (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ المُفْسِدِينَ) [القصص:77]، (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [المنافقون:10-11]، قوله: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى)، قال ابن كثير - رحمه الله -: "نزلت في أبي جهل لعنه الله، توعد النبي –صلى الله عليه وسلم- على الصلاة عند البيت، فوعظه الله - تعالى - بالتي هي أحسن أولاً، فقال: (أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الهُدَى) أي: فما ظنك إن كان الذي تنهاه على الطريق المستقيم في فعله (أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى) بقوله، وآنت تزجره وتتوعده على صلاته، ولهذا قال: (أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى)؟ أي: أما علم الناهي لهذا المهتدي أن الله يراه ويسمع كلامه، وسيجازيه على فعله أتم الجزاء".

ثم قال - تعالى - متوعداً ومهدداً: (كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ) أي: لئن لم يرجع عما هو فيه من العناد والشقاق (لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ) أي: لنسمنها سواداً يوم القيامة، ثم قال: (نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ) يعني: ناصية أبي جهل كاذبة في مقالها، خاطئة في فعالها، قوله: (فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ) أي: قومه وعشيرته، أي ليدعهم يستنصر بهم (سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ) وهم ملائكة العذاب، حتى يعلم من يغلب، أحزبنا أم حزبه.

ثم تختم السورة بتوجيه النبي –صلى الله عليه وسلم- إلى الثبات على الطاعة (كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ) فيما ينهاك عنه، (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ)، فإن ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)) صحيح رواه مسلم، وأبو داود، والنسائي.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،،

والله اعلم

IMAM غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 11-01-2013, 08:31 PM   #2
صديق المنتدى
 
الصورة الرمزية ابو محمود
 

افتراضي رد: سورتا التين والعلق

مشكور بارك الله فيك وجعله في ميزان حسناتك
ابو محمود غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 11-02-2013, 09:21 AM   #3
صديق المنتدى
 
الصورة الرمزية abood
 

افتراضي رد: سورتا التين والعلق

abood غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 11-02-2013, 03:49 PM   #4
صديق المنتدى
 
الصورة الرمزية الساهر
 

افتراضي رد: سورتا التين والعلق

ســلمـــت يـــداكـــ أخــي الــكــريــــــم
مـــوضـــوع مـــمـــيــز جــعلـــه الله فـــي مـــوازيـــن حســنـاتــكـــــ
الساهر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
التين لجمالك احمد عوض ركن الام والفتاة 0 02-22-2014 01:49 PM
الطب الشرعي: ضحايا أحداث «المنيل وقصر النيل» ماتوا بطلقات حية بالرأس والعنق ابو رباب أخـــبار مصر ( ام الدنيا ) 1 10-19-2013 08:28 PM
*** البخل والشح *** ابو محمود المنتدى الأسلامى العام 4 10-04-2013 11:39 PM
تين ، التين شادي1980 منتدى الحوار العام 2 06-21-2013 07:16 PM


الساعة الآن 05:40 AM


1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123