Loading...




نصرة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام Support of the Prophet Muhammad peace be upon him


إنشاء موضوع جديد  إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-09-2013, 11:21 PM   #1
صديق المنتدى
 
الصورة الرمزية الساهر
 


افتراضي تخطيط الرسول من منظور العلم الحديث




بسم الله الرحمن الرحيم


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تخطيط الرسول من منظور العلم الحديث


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن أتبع هديه الى يوم الدين


جوانب التخطيط في الهجرة النبوية إلى المدينة:

إرهاصات الهجرة:
إنَّ أول ما بدأ به الرسول صلى الله عليه وسلم من تخطيط بعد الهجرتين الأولى والثانية إلى الحبشة، هو أن عرض نفسه على القبائل، ثم حاول الاستنصار بثقيف في الطائف. وفكَّر النبي صلى الله عليه وسلم في تنفيذ هدفه الأساسي؛ وهو إيجاد بقعة مباركة تكون مرتكزاً ومنطلقاً للدعوة، فكانت فكرة الهجرة إلى المدينة المنورة، حيث كانت الأسباب مواتية، والمناخ ملائماً.
فلننظر لماذا لم تكن بقعة المقر والانطلاق للدعوة هي الحبشة؟ وكذلك لماذا لم تكن الطائف؟ ولماذا كانت المدينة المنورة؟
فكَّر الرسول صلى الله عليه وسلم في الهجرة بسبب دوافع اشتداد البلاء والمعارضة وقسوتها على المسلمين، وتعاظم الفتنة والتعذيب الدائم للمستضعفين من المسلمين، والعدوان المستمر على أصحابه صلى الله عليه وسلم؛ أذن لبعض أصحابه بالهجرة الأولى إلى الحبشة، التي استقبلهم ملكها (النجاشي) أحسن استقبال، وأكرم وفادتهم، وقد أخبرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك قبل ذهابهم بقوله: (إن بأرض الحبشة ملكاً لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه)، وقال الصحابة: (فخرجنا إليها أرسالاً حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار، أمناً على ديننا ولم نخش منه ظلماً).
إنَّ الحبشة بالرغم من حفاوة الاستقبال وسماحة ملكها إلاَّ أنَّها لم تكن هي الأرض المناسبة لنشر الدعوة، واستقرارها،

وذلك لأسباب أهمها:

[1] إنَّ الدعوة الإسلامية جاءت باللغة العربية؛ ونزلت في أرض العرب، وتناسبت وثقافتهم، وهذا لا يحدث في الحبشة، إذ أن الأحباش بمختلف قبائلهم لا يتكلمون العربية، وبالتالي فإن نشر الدعوة يواجه مشكلة في تلك البقعة، لأن النشر يعتمد على الاتصال الذي وسيلته اللغة.

[2] إنَّ الحبشة بعيدة عن مكة المكرمة، والهجرة إليها تستغرق وقتاً وجهداً، وقد يهلك بعض الناس دون الوصول إليها، إذ فيهم كبير السن، والمرأة ، والطفل.
فضلاً عن هذين السببين؛ فإنَّ الهجرة إلى المدينة كانت بتوجيه إلهي، وقد مهَّد لها الرسول صلى الله عليه وسلم ببيعتي العقبة لأولى والثانية.

رحلة الرسول صلى الله عليه وسلم للطائف:
كانت الفكرة الثانية رحلة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، فقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف وحده، من أجل إيجاد مركز جديد للدعوة يلتمس فيه النصرة من ثقيف.

وذكرت كتب السيرة أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن رأى عدم قبول أهل ثقيف له، وسبابها له، ورشقها إياه بالحجارة عمد إلى ظل حبلة من عنب، فجلس فيه، ثم توجَّه إلى ربه بالشكوى: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح لي أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل على سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك).

إنَّ الثقافة الواحدة مع مكة، واللُّغة المشتركة بين آل ثقيف في الطائف، وأهل مكة من القريشيين أوجد نوعاً من التقارب؛ إلا أن التقارب المكاني واللساني لم يكونا عاملي مقاربة، بل كانا عاملي منافسة ومشاكسة أديا إلى عدم قبول الدعوة الجديدة في الطائف، التي وُصِف كل من أعتنقها بأنه قد صبأ عن دين أجداده وأقوامه.
إنَّ قُرب المسافة بين مكة والطائف سهَّل الاتصال؛ ونقل الأخبار، مما جعل أهل الطائف لا يغيب عنهم خبر ولا حدث إلا أحصوه، ووعوه؛ وخبروه، وعجموا عوده، واشتركوا مع كفار مكة في مناصبة المسلمين العداء، تدبيراً للمكائد، وتسهيلاً للمصائد، بل خوضاً للحرب الضروس ضد المسلمين مؤازرة لأهل مكة ، الذين اتفقوا معهم في وحدة الهدف، وهو العداء للإسلام والمسلمين، وصد الناس عن الدعوة الجديدة، التي جاءت لتبطل عليهم عبادة الأصنام، وتدعوهم إلى عبادة الله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي بعبادته يتحرر الإنسان من عبادة أخيه الإنسان، يُبْعَدُ عن عبادة كل شريك مهما كان.

ولعل السؤال الذي يبرز: لماذا كانت المدينة موضع الاختيار؟.

أسباب الهجرة إلى المدينة المنورة ومظاهر التخطيط فيها:
[1] الإذن بالهجرة من الله تعالى والأمر بها لأسباب يعلمها الله عزَّ وجلَّ، وهو العليم بكل شيء، وهو الأعلم حيث يجعل رسالته، وهذا يُعَدُّ السبب المباشر في أمر الهجرة.

[2] مناصرة أخوال النبي صلى الله عليه وسلم له، لأنَّه (لما عزم النبي صلى الله عليه وسلم على أن يدخل المدينة أرسل إلى زعماء بني النجار (أخواله) فجاءوا متقلدين سيوفهم، وقُدِّر عدد الذين استقبلوه من المسلمين الأنصار بخمسمائة، حيث أحاطوا بركب النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه، ومضى الموكب داخل المدينة والجموع تهتف: (جاء نبي الله، جاء نبي الله). وهذه مناصرة من أهل المدينة لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة أخواله من بني النجار.

[3] إنَّ أهل المدينة (الأنصار) هم عرب لسانهم اللغة العربية، وأهل مكة على شاكلتهم، مما سهَّل التواصل، وقرب الشقة وأصبح أمر الدعوة ميسوراً مفهوماً بين الفريقين، لأن وسيلة الاتصال مشتركة.

[4] إنَّ البشريات قد جاءت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنَّ أهل المدينة لهم الرغبة في هذا الدين، وهم على استعداد لنصرته، ومبايعته على ذلك، حيث كانت بيعتا العقبة الأولى والثانية؛ وكذلك لقاءات المواسم (وكان أكبر هذه المواسم الحج؛ حيث لقي ـ فيمن لقيهم ـ جماعة من الخزرج).

[5] إنَّ المدينة المنورة كانت بعيدة عن مكة المكرمة بحوالي (450) كلم؛ وبالتالي لا يسهل الاتصال بين أهلها، وأهل مكة المكرمة، ولذلك يمكن كتم الخبر، ونشر الدعوة بين الناس دون أن يمسها أو يعترضها القريشيون؛ لا سيما وأن وسائل نقل الأخبار في ذلك الوقت كانت صعبة.

لهذه الأسباب آنفة الذكر ، التي تمثل التوكل، حيث الأذن والبشريات، ولتلك الأسباب المادية التي ذكرت، اتجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، حيث مجتمع الأنصار، وقيام المجتمع المسلم، ودولة الإسلام هنالك؛ حسب تخطيطه.

الإذن الإلهي بالهجرة إلى المدينة:
قال تعالى: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة: 40) أخرج الإمام أحمد عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ثم أمر بالهجرة، فنزل عليه قوله تعالى: {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً} (الإسراء: 80).

أهم مظاهر التخطيط والتنفيذ في الهجرة النبوية إلى المدينة:

ويمكن أنْ نوجز أهم مظاهر التخطيط الإلهي والتنفيذ النبوي في الهجرة إلى المدينة في النقاط التالية، وهي مبسوطة في كتب السيرة، ولذا نكتفي إليها بإشارات فقط:
[1] أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة قبله سراً، وانتظر هو الإذن من الله تعالى، كما استبقى معه صاحبه أبا بكر الصديق.

[2] بعد أنْ أذن الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بالهجرة ذهب إلى بيت أبي بكر الصديق في وقت الهجيرة، وهو وقت لم يكن من عادة الرسول صلى الله عليه وسلم أنْ يزوره فيه، وذلك لإبلاغه بالهجرة وإخطاره بصحبته فيها، وقد كان الصديق ينتظر هذا الإذن حيث كان قد اشترى راحلتين وأعلفهما.

[3] أمر الرسول صلى الله عليه وسلم علياً بن أبي طالب بالمبيت على فراشه ليوهم قريش بأنَّه ما يزال في بيته.

[4] خرج الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه إلى اتجاه عكس اتجاه المدينة، حتى لا تعرف قريش وجهته، واصطحب معه خبيراً بالطرق (عبد الله بن أريقط).

[5] أمر النبي صلى الله عليه وسلم الراعي عامر بن فهيرة بأنْ يروح بأغنامه على إثرهما ليمحو آثارهما، لكي لا تتمكّن قريش من متابعتهما وملاحقتهما.

[6] اتخذ العيون التي تأتيه بالأخبار والزاد، ومن ذلك عبد الله بن أبي بكر الصديق، وأسماء بنت أبي بكر الصديق.

[7] التدبير الإلهي لحماية النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه من نسج العنكبوت ومبيض الحمامة على باب الغار الذي دخلوا إليه.

[8] اكتساب المصادر والعيون كما حدث لسراقة بن مالك، حيث أمره الرسول صلى الله عليه وسلم بأنْ يعمي خبرهم عن قريش، ففعل.
هذه جوانب من التخطيط الإلهي والنبوي الذي تم في مقابل تخطيط مشركي قريش ودأبهم على التخلُّص من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

التخطيط لما بعد مرحلة الهجرة
تنفيذ الخطط التي أَعدّها الرسول صلى الله عليه وسلم لمرحلة ما بعد الهجرة:
أعقب تخطيط رسول صلى الله عليه وسلم للهجرة وتنفيذها عدداً من الأعمال التي تشير إلى قيام المجتمع، والدولة، حيث كان التخطيط لهجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، يعني ظهور أول دولة إسلامية ، أشرف على قيامها وأسسها المبعوث رحمة للعالمين، نبي الرحمة والملحمة متكامل الصفات القيادية.
عندما وصل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة؛ أقام الأسس المهمة للدولة الوليدة، والتي تمثلت في الآتي:

[1] بناء المسجد.

[2] المؤاخاة بين المسلمين عامة، والمهاجرين والأنصار خاصة.

[3] كتابة الوثيقة التي حددت نظام حياة المسلمين فيما بينهم، ومع غيرهم من اليهود وأهل الملل الأخرى.

[1] بناء المسجد:
عن أنس بن مالك قال : كان صلى الله عليه وسلم يصلى حيث أدركته الصلاة؛ ويصلى في مرابض الغنم، قال : (ثم أنه أمر ببناء المسجد فأرسل إلى ملأ من بني النجار فجاءوا ، فقال: يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا، فقالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، فقال أنس: فكان فيه ما أقول لكم: كانت فيه قبور المشركين، وكانت فيه خرب، وكان فيه نخل، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت، ثم بالخرب فسويت، وبالنخل فقطع، قال: فصقوا النخل قبلة المسجد، قال: وجعلوا أعضاديته حجارة، وجعلوا ينقلون الصخر، وهم يرتجزون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم، وهو يقول:
اللهم لا خير إلا خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة

الدلالة التخطيطية في بناء المسجد:
لأهمية المسجد في قيام المجتمع المسلم، والدولة المسلمة أراد الرسول صلى الله عليه وسلم عند وصوله المدينة الشروع فيما خطَّط له، وهو أن يقيم مجتمعاً مسلماً متماسكاً يقوم على القيم الإسلامية السمحة، وأول ركيزة في بناء هذا المجتمع المسلم هي إقامة المسجد، الذي منه تنبع روح المجتمع المتوحد المتراص المتماسك؛ وكذلك شيوع آصرة الأخوة والمحبة بين الذين يؤمونه في اليوم خمس مرات؛ وفي كل أسبوع تتسع رقعته، وتكبر حلقته لينعقد فيه مؤتمر كبير تجمع فيه أطراف المدينة وما حولها؛ ليستمعوا إلى أمام واحد، يحدثهم ترغيباً وترهيباً؛ راسماً لهم الخطط ومنعشاً فيهم روح الدين لشحذ هممهم، ورفع درجة حماسهم إلى الدعوة لهذا الدين.

[2] المؤاخاة بين المسلمين عامة، والمهاجرين والأنصار خاصة:
إنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قد آخى بين المهاجرين والأنصار؛ (آخى بينهم على الحق والمساواة، وعلى أن يتوارثوا بينهم بعد الممات، وذلك ليكون أثر الأخوة الإسلامية أقوى من أثر قرابة الرحم).
قام هذا التآخي على أسس معنوية، ومادية، ليكتمل البناء، ولتنتظم أماني النفس، ومتطلباتها.
وكانت من الظواهر المادية التوارث بينهم ، حيث ظلت هذه الحقوق الأخوية مقدمة على حقوق القرابة إلى موقعة بدر الكبرى، حيث نزل في أعقابها قول الله تعالى: {وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ } (الأحزاب: 6)، فنسخت هذه الآية ما كان سائداً من نظام المؤاخاة خاصة في الميراث، الذي هو حق شرعي لأولي الأرحام حسب ترتيبهم، وعلاقاتهم التي رتبها القرآن الكريم، فجعل للأب حقاً، وللأم حقاً، وللذكر مثل حظ الأنثيين؛ على أن تحتفظ الأمة بأخوتها في الله تعالى، وبحقوقها التي هي عليه.

روي عن ابن عباس قال: (كان المهاجرون حيث قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحم للإخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، فلما نزلت: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} (النساء: 33) نسخت، ثم قال: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} (النساء: 33) أي من النصر والرفادة والنصيحة وقد ذهب الميراث).

العبر التخطيطية في المؤاخاة:
بعد بناء المسجد، اعتمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في بناء المجتمع الإسلامي، والدولة المسلمة؛ على المؤاخاة، وجعلها ركناً من أركان هذا البناء، الذي أريد له أن تتراص صفوفه قياماً بواجب المحبة، والمساواة، والعدل والتكافل بين الأمة الواحدة.
إنَّ المؤاخاة هي إحدى العبر التخطيطية؛ التي تمكّن من وحدة الأمة، والتي بها تنهض الدولة، ويستقيم عودها، وتقوى شكيمتها، وتستطيع أن تنشر الدعوة في ربوع العالم؛ (ولا يمكن لكل من الوحدة والتساند أن يتم بغير عامل التآخي والمحبة المتبادلة).
وليكون التآخي متيناً لا بُدَّ أن تسبقه عرى الإسلام، ومقومات الإيمان؛ عقيدة، وتوحيداً ومن أجل ذلك كانت المؤاخاة في الإسلام مبنية على هذه الركائز.

إنَّ التآخي الذي أساسه رابطة الإسلام، والذي مكَّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، كان يقوم على العدالة في الاستفادة من أسباب الحياة والرزق؛ ولعل هذا يمهد لبناء الدولة؛ إذ إن الدولة من مقوماتها الرقعة الجغرافية، والأمة التي يكون التآخي سبباً في قيامها ووحدتها، وكذلك النظام الحاكم أيضاً من بناء المسجد مكاناً للشورى، والتعليم، والاستعداد لكل صنوف الحياة سلماً وحرباً وكذلك المؤاخاة التي تحقق وحدة الأمة المتجهة لقبلة واحدة، العبادة لرب واحد.

إنَّ التآخي الذي أراده الرسول صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، كان حقيقاً وعملياً، ولم يكن نظرياً حيث آخى بين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف، وقد عرض سعد على عبد الرحمن بن عوف أن يشركه في بيته، وأهله، وماله، بقسمة متساوية، ولكن عبد الرحمن شكره، وطلب منه أن يدله على السوق ليمارس تجارته وأعماله التي كان يقوم بها في مكة. هذا على سبيل المثال.
من الواضح أن هذا التآخي هو صلب الوحدة وتمكينها في المجتمع، فقد سبق أن آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين في مكة، فقد ورد عن ابن عبد البر أنَّه قال في الأثر: (كانت المؤاخاة مرتين: مرة بين المهاجرين خاصة، وذلك بمكة، ومرة بين المهاجرين والأنصار).

إنَّ التآخي بهذا التصوُّر يؤكد أنَّ الأخوة والمحبة أساسها الرابطة الإسلامية، التي تجعل كل شيء لله تعالى، والمحبة في الله هي أقوى أنواع المحبة، وكذلك البغض في الله؛ وكل هذا محكوم بقاعدة شرعية هي أن يكون كلاهما هوناً كما ورد في الأثر: (أحبب حبيبك هوناً ما، عسي أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما).

النظام الإسلامي يتسق مع بعضه في كل جوانبه؛ وهو دعوة للاتحاد، وارتباط المسلمين مع بعضهم البعض، لا سيما وأنَّ العالم في هذا الوقت كوَّن التحالفات العسكرية، والاقتصادية، والثقافية، والأمنية، وغيرها.

وفي مقابل هذا يجب على المسلمين عرض الإسلام بفهم صحيح؛ بعيداً عن التشنُّج والتطرُّف؛ دعوة ذات منهج وسط أي عدل يقوم على المساواة، والعدل والشورى بحسبانها ركائز دستورية أساسية في قيام المجتمع المسلم، والدولة المسلمة ليتكون الحلف الإسلامي القوي؛ قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} (التوبة: 71)
لقد حذَّر الله تعالى المسلمين من التفرُّق، والتباعد وأخبرهم أن الذين كفروا يسيرون في اتجاه الاتحاد، والمسلمون إن لم يفعلوا ذلك سيعم الفساد والبلاء،
قال الله تعالى: {وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} (الأنفال: 73)

[3] كتابة وثيقة بين المسلمين وغيرهم:
إنَّ كتابة الوثيقة أمر مهم وعظيم، إذ إنه يفتح نوافذ جديدة، تتجاوب مع طبيعة المجتمعات التي أوجدها الله سبحانه وتعالى متفرقة، تحتاج إلى ما تتواضع عليه، لتحقق سلاماً وتعايشاً تتفق فيه على حد أدنى من التوافق، والأسس، التي تجعل الاستفادة من تسخير الحياة أمراً ميسوراً. (وهذا الأساس ـ أي كتابة الوثيقة ـ؛ هو أهم ما قام به النبي صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بالقيمة الدستورية للدولة الجديدة).
تُعَدُّ هذه الوثيقة أول ميثاق لتحالف إسلامي قام به الرسول صلى الله عليه وسلم، بعد أن بنى المسجد الركيزة الأولى من ركائز المجتمع؛ ثم عقد المؤاخاة بين المؤمنين. ثم كتابة الوثيقة: (قام الرسول صلى الله عليه وسلم بعقد هذه المعاهدة والتي أزاح بها كل ما كان من حزازات الجاهلية والنزاعات القبلية، ولم يترك مجالاً لتقاليد الجاهلية).

ملخص لبنود صحيفة المدينة أو الوثيقة:
عند ما استقر الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة وأراد أن ينظم العلاقات بين أهل المدينة، كتب كتاباً بهذا الشأن، عرف في المصادر القديمة باسم (الكتاب) و(الصحيفة) وأسماه الكتاب المحدثون (الدستور) أو ( الوثيقة).
ولأهمية هذه الوثيقة واعتماد الباحثين المعاصرين عليها، وجعلها أساساً في دراسة تنظيمات الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، ونظم الدولة الإسلامية، وعلاقاتها مع الدول والملل الأخرى، والنظام السياسي في الإسلام؛ فقد رأينا أن نتناول بالعرض والدراسة باختصار شديد، مركزين على جانب التخطيط بحسبانه موضوع البحث.

أولاً: مضمون الصحيفة:
[أ] بنود الصحيفة المتعلقة بالمسلمين:
المؤمنون من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أمة واحدة من دون الناس.
كل فريق من المؤمنين (المهاجرين، بني ساعدة، من الأوس..) على ربعتهم يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وإن المؤمنين لا يتركون مفرحاً بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل.

المؤمنون المتقون على من بغى منهم، وإن أيديهم عليه جميعاً ولو كان ولد أحدهم.

ذمة الله واحدة، يجير على المسلمين أدناهم، والمؤمنون بعضهم موالي بعض دون الناس.
من تبع المؤمنين من اليهود، فإن له النصرة والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم.

[ب] بنود الصحيفة المتعلقة بالمشركين:
لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفساً، ولا يحول دونه على المؤمنين.
[ج] بنود الصحيفة المتعلقة مع المؤمنين ما داموا محاربين
يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، مواليهم وأنفسهم.. ولبقية اليهود من بني النجار، يهود بني الحارث... ما ليهود بني عوف. وإن بطانة يهود كأنفسهم.
لا يخرج من يهود أحد إلا بإذن محمد صلى الله عليه وسلم.
على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح... والنصر للمظلوم.

[د] بنود الصحيفة المتعلقة بالقواعد العامة:
يثرب حرام جوفها لأهل الصحيفة وإن الجار كالنفس، غير مضار ولا آثم، وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها.
ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول صلى الله عليه وسلم.
لا تجار قريش ولا من نصرها.
وإن بينهم أهل الصحيفة النصر على من دهم يثرب.
من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم أو أثم، وإن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

العبر التخطيطية في الوثيقة:
تنبع القيم التخطيطية في هذه الوثيقة من أنها تتعلق بمختلف الأحكام التنظيمية للمجتمع الإسلامي؛ وأنها دستور (وهذه الكلمة هي أقرب مصطلحات العصر الحديث لهذه الوثيقة).
عالجت هذه الوثيقة، كل ما يمكن أن يعالجه أي دستور حديث يعنى بوضع الخطط العامة، والكليات المهمة لنظام المجتمع والدولة، حيث عالجت هذه الوثيقة العلاقات الداخلية والخارجية، الداخلية تعني العلاقة بين أفراد المجتمع والدولة مع بعضهم بعضاً، وكذلك علاقتهم مع الآخرين.
ولعلَّ كمال العلاج فيها أنها وضعها الرسول صلى الله عليه وسلم وحياً من الله سبحانه وتعالى شمل الخطوط العريضة، التي تابعها الصحابة في علاقاتهم مع اليهود، فكان مجتمع المدينة مجتمعاً مسالماً ومتعايشاً على أسس سليمة مبنية على بنود هذا الدستور الراسخ، المراعي لكل الجوانب التي يتوقع أن ينشب فيها خلاف، ويتأجج فيها صراع يحطم قواعد الدولة، التي نشأت بنظام وتخطيط ربط أهلها أولاً ثم مع من عايشهم من الملة اليهودية، وبمسجد تلتقي فيه جموعهم، تحفها عقيدة راسخة، وأخوة حانية، تقرب الناس بعضهم بعض، متجهين نحو قبلة واحدة، يعبدون رباً واحداً، على قلب رجل واحد، يتصدون لأي عدو يتجهمهم، أو يريد أن ينال منهم، وهذا هو الأساس المتين الذي يجب أن يقوم عليه مجتمع المسلمين؛ الدولة الفتية التى تجابه صعاب الزمن، وتحطم تحدياته بمنهج إسلامي واضح، مستفيدة من كل حديثات العصر وتقانته؛ وكذلك الأصول الواضحة، الراسخة على هدى من الكتاب والسنة.

الساهر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 11-10-2013, 10:25 AM   #2
صديق المنتدى
 
الصورة الرمزية abood
 

افتراضي رد: تخطيط الرسول من منظور العلم الحديث

abood غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 11-11-2013, 03:05 PM   #3
صديق المنتدى
 

افتراضي رد: تخطيط الرسول من منظور العلم الحديث

جزاك الله خيرا اخي وجعل عملك في ميزان حسناتك
IMAM غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 11-14-2013, 07:08 AM   #4
عضو مميز
 
الصورة الرمزية المهندس للاكترونيات
 

افتراضي رد: تخطيط الرسول من منظور العلم الحديث

بسم الله ماشاء الله الله ينور عمل ايجيبت رائع وممتاز
المهندس للاكترونيات غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تيسير علوم الحديث للمبتدئين مع تدريبات عملية تعين الطالب على ممارسة هذا العلم abood الأدعية و الكتب والاسطوانات والتفاسير الاسلامية 2 05-16-2014 04:19 PM
في صحبة الرسول.. فضل طالب العلم ابو ساره 2012 نصرة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام 3 05-14-2014 12:33 PM
نصائح تجنبك اضطرابات العمل الناتجة عن كثرة الحديث احمد عوض ركن الاب والشاب 0 02-26-2014 01:32 PM
معجزات القران فى العلم الحديث التى أبهرت العالم dr_amr75 الاعجاز العلمى فى القرآن الكريم 8 05-21-2013 05:19 AM
صور من آيات الله و العلم الحديث ابو محمود الاعجاز العلمى فى القرآن الكريم 8 04-27-2013 07:50 AM


الساعة الآن 02:58 AM


1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123