Loading...




المنتدى الأسلامى العام General Islamic Forum


إنشاء موضوع جديد  إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-10-2013, 06:25 PM   #1
عضو سوبر
 


افتراضي آداب النصيحة في الإسلام


آداب النصيحة في الإسلام


للنصيحة آداب.

إن الله عز وجل أخبرنا بآداب النصيحة، وما كل من نصح عرف كيف ينصح، ولا كل من دعا عرف كيف يدعو، ولا كل من أراد الخير وفق له، ورب كلمة منعت ألف كلمة، ورب خطوة أخرت عن ألف خطوة.

أرسل الله موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون، فقال لهما: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44] قال أبو أيوب وعلي ، كما نقل ذلك ابن كثير في تفسيره ونقل عن سفيان : القول اللين هو أن يكنياه بكنيته.
أي: إذا أتيتم إلى فرعون، فقفا في البلاط الملكي، وتكلما معه بكلمة حانية، لا تجرحا شعوره، الرجل عاش على الملك، الرجل طاغية، الرجل مجرم، فإن جرحتم مشاعره فلن يهتدي أبداً، قولا له قولاً ليناً، قال أهل العلم: كنياه بالكنية.
وكنيته: أبو مرة مرر الله وجهه بالنار وقد فعل، قال أبو أيوب : كنية فرعون أبو مرة.

فدخل موسى وكان يتلعثم في الكلام، وقال: يا أبا مرة ! وهذه تفتح الصدر، وأنت مثل لنفسك أن رجلاً يدعوك، فيقول: يا أبا محمد! يا أبا عصام! يا أبا أنس! ينفتح صدرك، قال عمر : [[ثلاث تكتب لك الود في صدر أخيك: أن تدعوه بأحب الأسماء إليه، وأن توسع له في المجلس، وأن تبدأه بالسلام ]] قال الشاعر اليمني:

أكنيه حين أناديه لأكرمه ولا ألقبه والسوءة اللقب

كذاك أُدبت حتى صار من خلقي أني وجدت ملاك الشيمة الأدب

أتجرحني لتنصحني؟

أتشتمني لتردني؟

أتفضحني لتهديني؟

أنا لن أطيعك ولن أوافقك؛ لأن مشاعر الإنسان لا تعيش إلا على الرضوان، والإنسان لا بد أن تشعره بمكانته وبفضله وبحسناته.

أما آداب النصيحة فكما يلي:

الإخلاص من آداب النصيحة


الإخلاص: أهل السنة والجماعة -في الجملة- يريدون بعملهم وجه الله، يتكلمون لله، ويعملون لله، ويأمرون وينهون لله الواحد الأحد قال الله تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الزمر:65-66] وإنما الأعمال بالنيات، أن تخلص في نصيحتك، أن تقصد بها وجه الله، كيف ذلك؟ أن تريد بهذا الذي تريد أن تأمره وتنهاه، أن تريد له الخير، وأن تريد أن تصحح مساره، لا تركب على كتفيه، لأن من الناس من يريد بالنصيحة الظهور له أو الشهرة، لأن المثل يقول: خالف تعرف.
وبعض الناس يريد أن يركب على كتفيك؛ ليجعلك أنت جثماناً يصعد عليه، ويقول: لقد أصبحت أرد، وأصبحت أوجه، وأصبحت أعلم، وأصبحت أنصح.
وبعض الناس لا يريد بالنصيحة وجه الله، ظاهرها نصيحة وباطنها فضيحة، يريد بها أن يشفي غلاً في قلبه، من حسد هذا الرجل أو هذا الجيل أو هذه المؤسسة، فقام على رءوس الناس ينقدها، ويجرحها، ويفضحها، فيقول الناس: جزاك الله خيراً من ناصح، وفي قلبه غليان على هؤلاء، لا يريد الخير ولا التوفيق وإنما البغي والحسد.
ومنهم: من يريد بهذا الانتقام لموقف نسبي مرَّ معه، فإن بعض الناس إذا صادفه موقف عارض؛ قام على رءوس الناس ينتقم من المسلمين، ويفضح سرائرهم، ويشخص أمراضهم، ويضخم أخطاءهم، وهذا غير منهج أهل السنة والجماعة .

الستر وعدم التشهير من آداب النصيحة


نصيحة الخاصة للخاصة، ونصيحة العامة للعامة.
من هم الخاصة؟ الخاصة هم قوم لهم مسئولية خاصة، ولاة الأمر، فهدي أهل السنة أن ينصحوهم في آذانهم بلا فضيحة، ولذلك كان أحمد ينصح المعتصم بينه وبينه، وصح أن أسامة رضي الله عنه والحديث عند أحمد في المجلد الأول من الفتح الرباني أن الناس قالوا: يا أسامة ! ألا تكلم هذا؟ أي: عثمان ، ألا تكلمه؟ لأن الناس لاحظوا على عثمان رضي الله عنه في سيرته بعض الملاحظ التي هو مأجور على اجتهاده فيها، من تقريب بعض بني أمية من قرابته.
قالوا: ألا تنصحه؟ قال أسامة : [[أتظنون أني كلما نصحته أخبرتكم؟ ]] أيلزم العالم وطالب العلم والداعية؛ أن كل ما نصح مسئولاً أو وجيهاً، أو من عنده أمر أن يخبر الناس أنه نصحه؟ أيلزمه أن يظهر نصيحة الخاصة في العامة؟ هذا ليس من منهج أهل السنة ، وإنما هو إرغاء، وإزباد، وتشويش، وفتنة، وهمجية؛ معناها أن يحول الناس إلى جدال وخصام واحتدام.
أهل السنة لهم طريق آخر في نصيحة العامة، فهم ينصحون العامة على ملأٍ من الناس، فيبينون أخطاءهم لهم لا أسماء، وبلا أشخاص، كان إمامهم عليه الصلاة والسلام يرى الخطأ فلا يقول للرجل أخطأت، ولكن يصعد المنبر فيقول: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا.
وإني أشكر فضيلة الشيخ جابر هذه الليلة، يوم وجه الملاحظة الأولى توجيهاً عاماً مطلقاً لم يقيده بهيئة أو بشخص أو بصحيفة، وهكذا ينبغي، فصاحب الخطأ يدرك خطأه وهو جالس، وهو مستور والحمد لله، ويصحح مساره، أما أن تخبر باسمي، وبمسكني، وعنواني، وتلقي فيَّ محاضرة، أنا سوف أعمى تماماً، أنا سوف أسل سلاحي وأنتقم، أنا سوف أدافع عن كرامتي إلى آخر قطرة من دمي؛ لأن هذه أصبحت معارك متبادلة، أو استحداث خصومات مع القلوب، وأصبح فيها من الفتنة ما الله به عليم.
لكل إنسان مكانه، من الذي لا يرى مكانته؟ من الذي يحتقر نفسه؟ من الذي لا يرى أن ينبغي أن يحترم بقدر ما فيه من الخير؟

حسن القصد في النصيحة من آدابها


فمن آداب النصيحة عند أهل السنة والجماعة ؛ أن تخلص النصيحة لله، وأن يكون لك ثلاث مقاصد:المقصد الأول: أن تبرئ ذمتك من هذه النصيحة التي في عنقك، ولا تكتم علماً يقول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:159-160].
الناس أمام هذه الآية ثلاثة أقسام: أما الكفار أنا لا أتحدث فيهم فهم في منزلة الحمير.
المسلمون أمام هذه الآية ثلاثة أصناف: صنف يأمر بالمعروف بالمعروف وينهى عن المنكر بلا منكر، ويعطي كل مسألة حجمها ومساحتها، العقيدة لها حجمها، والسنن بحجمها، والآداب والسلوك، فهو مهتدٍ على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذاك هو خليفة النبي صلى الله عليه وسلم، ووارث علم النبوة، وهو الذي يصلح الله به، وهو الذي يستمر، وهو كالشجرة التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وهو كالعين النابضة بالحياة، وهو كالمشكاة التي تلقي نورها، وهو كالشمس، وهو وهج في ظلام الليل.
وقسم آخر: أطلق الحبل وفلت الأمور، وكسر المعاريض، وخندق الطرق بحجة اللين، يرى المنكرات كالجبال ويقول: لا.
الإسلام ليس دين تطرف ولا تزمت، لا تنكروا على أحد، كلنا على خير، ومع الخيل يا شقراء! وكلنا مأجورون، والله غفور رحيم، ولا تشوشوا علينا، ولا تثيروا الخلاف.
قلنا: حنانيك يا بارد القلب! حنانيك يا ميت الروح! الغيرة ماتت في روحك فأنت لا تتحرك، ولذلك بعض الناس كأنه في ثلاجة، يرى المنكرات كالجبال، ولا يتمعر وجهه، ولا يتغير، ولا يقول كلمة ولا ينبس بلفظة؛ بحجة أن الإسلام يسر، وأن الإسلام دين عدالة ودين تراحم وتآخ، كلمة حق أراد بها باطل، هذا متسيب وهذا لا ينتج.
أين غيرتك يا فلان من غيرة سعد بن عبادة رضي الله عنه؟ يقول عليه الصلاة والسلام وقد سأله سعد: {يا رسول الله! لو وجد أحدنا مع امرأته رجلاً ماذا يفعل؟ -أي: وجده مع امرأته أجنبياً في بيتها ماذا يفعل؟- قال عليه الصلاة والسلام: يذهب فيأتي بأربعة شهداء } هذا حقن للدماء، وحكمة، وحفظ للأرواح والأنفس، ولو أطلق عليه الصلاة والسلام، وقال: يذبحه، لكان كل إنسان يرى عند بابه رجلاً يضرب الجرس أو يطرق الباب؛ يذبحه عند الباب، لا.
يأتي بأربعة شهداء، قال سعد وهو سيد الخزرج: {يا رسول الله! أنتظر وأجمع أربعة! والله الذي لا إله إلا هو لأضربنه حينها بالسيف غير مصفح.
فضحك عليه الصلاة والسلام وقال: أتعجبون من غيرة سعد؟ والذي نفسي بيده إني أغير منه وإن الله أغير مني }.
غيرة حية أن تعيش معالم الدين، تتحرق إذا رأيت المرأة لا تتحجب، تتحرق لوعةً إذا رأيت الغناء يسود في الساحة، تتحرق إذا رأيت كأس الخمر ينتشر، تتحرق إذا رأيت المخدرات فاشية، تتحرق إذا رأيت شباب الإسلام يضيعون أوقاتهم، تتحرق إذا رأيت الصلاة تؤخر عن أوقاتها، تتحرق إذا رأيت الربا فاشٍ، تموت وتذوب، لكن تصل إلى مقصودك بحكمة وأناة، وتغضب لله عز وجل.
وقسم ثالث: أفرط حتى خرج من السطح، لأن بعض الناس يخرج من العرض وبعضهم من السطح، والوسط هم عباد الله الأخيار، بعضهم يقيم الدنيا ويقعدها على جزئية اختلف فيها أهل العلم، يضارب الناس على الإشارة بالأصبع، أو على وضع اليدين، ويلقي محاضرة بعد الصلاة، يَبكي ويُبكي الناس ويصيح، ويضرب المكرفون على مسألة جزئية، قال فيها أبو حنيفة بقول وخالفه مالك ، أين إنزال المسائل منـزلتها؟ والله يقول: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [البقرة:269] بعضهم يقوم فلا يشغل باله إلا كلمة صدرت من شاب، أو تصرف من شاب، فيجعلها قضية ويعممها ويكبر الأخطاء، وينسى ما هو أكبر منها.
عجباً!أحد السلاطين الظلمة رآه أحد الوعاظ -ليس عالماً بل واعظاً- فقال لهذا السلطان: لي إليك حاجة، أسألك بالله أن أناجيك في حاجتي.
قال: تفضل -والسلطان هذا سفاك للدماء، يذبح الناس كذبح الدجاج، يأكل الربا، يزني، مجرم، طاغوت- فتخيل هذا السلطان أن هذا الواعظ سوف يتحدث له عن الدماء التي سفك، أو عن الزنا، أو عن الربا، أو عن تعطيل الشريعة، فدخل معه في مكتبه، قال: ما ذا رأيت؟ قال: جنودك يُسبِلون ثيابهم.
قال: لعصر أنتج مثلك وأمثالك؛ حقيقٌ أن ينتج جنوداً يُسبِلون ثيابهم.
هذه القضية كلها، تأتي إلى هذه المسألة الجزئية وتنسى الكبار وتجعلها قضيتك.
فرضاً أنهم قصروا ثيابهم، ولكنهم يشربون الخمر، ويتركون الصلاة، ويزنون، ويسفكون الدماء.
وليكن مقصودك من النصيحة رحمة بالمنصوح، لأن بعض الناس تغيب عنهم هذه، أريد أن أنصح؛ لكن ما في ذهني أن أرحم هذا المسكين الذي وقع في خطأ.
والأمر الثالث: أن يكون قصدك، أن تكون كلمة الله هي العليا، ليبقى الدين قوياً وأن تفرح إذا سمعت بموجِّه أو برجل صالح، أو بمنفق، أو بداعية، أو بعالم يتكلم ويدعو؛ أن تحمد الله عز وجل، وأن تسأل الله له الاستقامة، والعون، والسداد.

اللين في النصح


ومن آداب أهل السنة في النصيحة؛ أنهم ينصحون بلين، أي: بكلمة حانية، بكلمة طيبة، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وهو يذكر نصيحة إبراهيم عليه السلام لأبيه المشرك: "يا أبت" وانظر أدب الخطاب، لم يقل: لم تعبد ما لا يسمع، ولا يبصر، ولا يغني عنك شيئا، وإنما قال: يا أبت! ثم كرر يا أبت مرات، وهذا هو اللطف.
وهذا أتى في سورة لقمان، يوم قال لقمان رضي الله عنه لابنه: يا بُني! فقال في أول الخطاب: يابني! أخذ من ذلك بعض العلماء: أن عليك أن تقدم مقدمات للمنصوح، إذا أخطأ عالم من العلماء فلا تقل: يا فلان! أخطأت، لكن قل: أنت صاحب فضل، وأنت صاحب خير، ونفع الله بك، وقد شفى الله بك العليل، وأروى الغليل، وأفاد الأمة، ولكن ما رأي سماحتكم في هذه المسألة؟ أينكرها؟ أما أن تصدمه بالرد صدماً على وجهه، فكيف يقبلها؟ تأتي إلى وجيه في الناس فتقول: أنت فيك كيت وكيت، وقد نفع الله بك، ثم تذكر جوانب الخير فيه، ثم تلاحظ عليه ملاحظة، هذا من اللين.
قال ابن المبارك ، في بيتين من أدب الدعاة وأدب النصيحة:
إذا رافقت قوماً أهل ودٍ فكن لهم كذي الرحم الشفيق
ولا تأخذ بزلة كل قوم فتبقى في الزمان بلا رفيق

هذه حق على كل مسلم يريد الدعوة -أحقه أنا، وما أحقه الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم- أن يحفظ البيتين، هذه تكتب بماء الذهب، تخرج من مثل ابن المبارك، ابن المبارك قوي على أهل البدعة، على جهم المجرم، ألا تعلم ما ذا يقول في جهم ، صاحب البيتين هذه، يقول:

عجبت لدجال دعى الناس جهرةً إلى النار واشتق اسمه من جهنم





اسمه جهم مشتق من جهنم فكان شديداً على أهل البدع، لكن مع إخوانه كالماء، وأتى إلى إخوانه فقال:
إذا صاحبت قوماً أهل ودٍ فكن لهم كذي الرحم الشفيق
ولا تأخذ بزلة كل قومٍ فتبقى في الزمان بلا رفيق

ذكر الشيخ الإمام عبد الرحمن بن ناصر السعدي ، العلامة الشهير رحمه الله قاعدة عن ابن تيمية ، في كتابه المأمول قال: يقول شيخ الإسلام : بعض الناس كالذباب لا يقع إلا على الجرح -ما أحسنها من كلمة- بعض الناس كالذباب لا يقع إلا على الجرح.
الذباب وأنت بثيابك البيضاء النظيفة، وبطيبك، وبمظهرك، لا يقع عليك، لكن إذا رأى جرحاً في جسمك وقع عليه وانصب عليه، فبعض الناس يترك المحاسن وينسى الفضائل ويقع على منقصة أو عيب كما يفعل الذباب إذا انطلق إلى هذا الجرح فلا بد من اللين.
دخل واعظ على هارون الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين! إني واعظك ولكني سأشدد عليك.
يقول: عندي موعظة، لكنها حارة ساخنة، ويتكلم مع، خليفة لو أراد ذبح رجل لذبحه، وقف أمامه، والسيوف على رأس هذا الواعظ، ويقول: يا أمير المؤمنين! عندي كلام لكنه شديد فاسمع لي، قال: والله لا أسمع لك، والله لا أسمع لك، والله لا أسمع لك، قال: ولم؟ قال: أرسل الله من هو خير منك إلى من هو شر مني فقال: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44] ما هو الداعي للكلام الشديد؟ وهل بلغنا دعوتنا وأدخلناها في قلوب الناس بالحديد والرصاص؟ بل أدخلناها بالحب، أدخلناها بالبسمة، زرعناها بالود، فآتت أكلها كل حين بإذن ربها، ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون.
فاللين اللين في تبليغ الكلمة، بإمكانك أن تصادر بعض الكلمات الجارحة، وأن تستبدل بعض الكلمات الطيبة الحميدة، وإنني أشكر بعض الفضلاء في الساحة حين كتبوا بعض الكتب والرسائل والأشرطة، فيها من الأدب والروعة والعلم ما الله به عليم.
ومن أراد أن يرى مثلاً حياً لأدب الدعوة، وأدب النصيحة، وأستاذاً معلماً في هذا الباب، وهو لازال على قيد الحياة، فلينظر إلى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، رجل في الثمانين من عمره، يتكلم بالكتاب والسنة، عكف الله وعطف عليه القلوب، كلمته طيبة ولينة تصل إلى القلوب مباشرة.

الإسرار بالنصح في موضعه


ومن آداب أهل السنة في النصيحة؛ أنهم يسرون بها في موضع الإسرار، قال الشافعي :
تعمدني بنصحك في انفرادٍ وجنبني النصيحة في الجماعة
فإن النصح بين الناس نوعٌ من التوبيخ لا أرضى استماعه
فإن خالفتني وعصيت أمري فلا تجزع إذا لم تعط طاعة

أتنصحني أمام ألف؟ أتنصحني في الحارات؟ أتخبر أني أخطأت؟ أَوصلتَ بيتي؟ أَكتبتَ لي رسالة؟ أَطرقتَ عليَّ الباب؟ هل جلست معي؟ هل أشفقت عليَّ؟ أبعد أن نشرت مقابحي، ورذائلي، وسوآتي أمام الناس تريد أن أقبل منك، طبيعة الإنسان أنه إذا رأى الخصام والجدل لن يقبل، يغلق منافذ السمع لن يتقبل، فـأهل السنة يسرون بالنصيحة في موضع الإسرار، يسرون بها بكتابة أو اتصال أو غيره، إذا علم أن المنصوح من أهل السنة ، وهو الذي لا يريد إلا الخير بدعوته، ويعلم الله أنه يريد الصلاح لأمة محمد عليه الصلاة والسلام.
فحقيق على الناصح أن يسر النصيحة، ولكن قال بعض علماء السنة: من شهر بنا شهرنا به.
من شهَّر بـأهل السنة شهرنا به.
إنسان يدّعي بدعاً، ويهاجم الدين من على المنبر أو في صحيفة، أنرد عليه سراً؟ يفضحنا جهراً ونرد عليه سراً؟ يشتمنا نهاراً ونرد عليه ليلاً؟ لا.
بل السلاح بالسلاح قال الله: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60] ما دام أنه شهربنا فنشهر به، لأن الناس سمعوا كلامه، ولا يمكن أن يُنهى كلامه إلا برد مثل كلامه الذي شهَّر به، كرجل كتب معتقداً بدعياً ونشره في الصحف، حق علينا أن نأتي في هذه الصحف، وننشر ردنا الصادق الناصح؛ لأنه شهَّر برده أو بكلامه، لكن إنسان ارتكب بدعة، ولا يعلم إلا أنا أو أنت، أذهب إليه بيني وبينه، ولا أكتب في صحيفة ببدعته؛ لأنه قد يتوب.
سئل أحد العلماء الأحياء: أما رددت على فلان؟ قال: ليس من منهجي هذا، قالوا: ما هو منهجك؟ قال: منهجي أن أكتب للذي أريد الرد عليه بيني وبينه، فإن استجاب لي فبها ونعمت، والحمد لله فقد حصل المقصود، وإن رفض الاستجابة أعلنت الرد عليه لينتبه له الناس.
هذا هو المنهج السليم، فهدي أهل الإسلام في النصيحة: أنهم لا يتفاضحون بها ولا تصبح مسبة.

العمل بالنصيحة


ومن آداب النصيحة في الإسلام: أن تعمل أنت بالنصيحة التي توجهها للناس، علَّ الله أن ينفع بها يقول الله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44] لماذا تتكلم كلاماً جميلاً وتفعل فعلاً قبيحاً؟ قال خطيب الأنبياء شعيب عليه وعليهم الصلاة والسلام: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود:88] وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه، لا أريد أن أدلكم على الهدى وأنا ضال، وعلى الهداية وأنا متخلف، وعلى النور وأنا في الظلام.
فإذا أردت أن ينفع الله بدعوتك وبنصيحتك، فأعمل بها أنت أولاً، قال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:2-3] لم تتكلمون كلاماً جميلاً وتفعلون فعلاً قبيحاً؟ وهذه أكبر القواصم التي يتعرض لها الداعية في الحياة، أن يتكلم بكلام جميل ولكن فعله قبيح، فيكذِّب فعله قوله فلا يتقبل الناس منه، ولا يجعل الله لكلامه تأثيراً ولا نوراً.
في الصحيحين من حديث أسامة رضي الله عنه: {أن الرسول صلى الله عليه وسلم، ذكر رجلاً اندلقت أقتابه، والأقتاب هي: الأمعاء، يدور بها كما يدور الحمار بالرحى في نار جهنم، فيقول له أهل النار: يا فلان! أما كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: نعم.
كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه, وأنهاكم عن المنكر وآتيه } قال بعض العلماء معلقاً على الحديث، وهو تعليق لابد أن يفهم، قال: ما دخل النار بسبب أمره ولا بنهيه، وإنما دخل النار بسبب مخالفته لأمره ونهيه.
ولذلك بعض الناس عنده ورع بارد في الدعوة، سامج مظلم، مالك لا تدعو؟ قال: أخشى من صاحب الرحى في نار جهنم، أخشى أن أدور في الرحى، أنت تدور من اليوم بالرحى، من أول اليوم وأنت دائر في الرحى، وأول دورانك بالرحى وأول الفتوح والبركات؛ أنك تركت الدعوة، قال أبو هريرة لرجل: [[ألا تحفظ القرآن؟ قال: أخشى إن حفظته أن أنساه قال: كفى بك نسياناً أنك ما حفظته ]] من أول الطريق، وكذلك الذي عنده ورع بارد لا يأمر ولا ينهى، ولا ينصح، ولا يتحرك بالدعوة؛ بحجة أنه يخشى أن يكون مثل هذا الذي يدور في رحاه في نار جهنم، والمقصود: أن الحديث لام هذا الرجل لأنه خالف، أما إذا أمر وائتمر، ونهى وانتهى فهو مأجور، فمن أدب النصيحة: أن تعمل بها قبل أن تنصح الناس، وبعد أن تنصح الناس أن تسدد وتقارب.
بعض الناس يظن أن الداعية لا ينصح حتى يصبح معصوماً لا يخطئ أبداً أو لا يذنب، كأن الداعية هذا إذا وقع في خطأ بسيط؛ ارتكب الجرائم وخرج من الملة.
ولذلك خطأ الدعاة مضخم، وحسناتهم مصغرة، للداعية تسع وتسعون حسنة ولكنها تنسى، وله سيئة ولكنها كالجبل، أمر عجيب! قال عامر الشعبي : والله الذي لا إله إلا هو، لو أحسنت تسعاً وتسعين لنسوها ولعدوا علي غلطة واحدة.
ترفقَّ حنانيك:
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه
تريد مهذباً لا عيب فيه وهل عطر يفوح بلا دخان

العصمة لمحمد عليه الصلاة والسلام، والدعاة ليسوا معصومين في الإسلام، فقد يخطئون، لكنهم يراجعون خطأهم ويتوبون إلى الله الواحد الأحد.

التثبت مما تنصح منه


ومن آداب النصيحة عند أهل السنة أن تتثبت من الشيء المنقول إليك قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:6] منهج رباني عظيم، شيء مقدس، يا لجلالة المنهج! يا لعظمة هذا المبدأ! يا مسلم! إن جاءك خبر فارصده وتأكد منه: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36] وأنا -يا أيها الإخوة- أحذر من هذا الكلام الظاهر، من كثرة الشائعات في المجتمع المسلم، كلمات تنقل لا أساس لها، تثار بها الظغينة، ويؤسس بها الحسد والبغضاء بين المسلمين، ومصدرها شائعة كاذبة خاطئة.
أسألك -يا مسلم- بمن خلقك فسواك فعدلك، أسألك بمن جعل لك عينين ولساناً وشفتين؛ أن تعرف أنك إن لم تتثبت من الأنباء والشائعات، فسوف تضيع دينك ولا محالة، يأتيك خبر عن مسلم فعليك أن تتثبت هل قاله أم لا، تسأله وتحتاط حتى تكون على بصيرة؛ لأن الشائعات كثرت، لكثرة أهل النميمة، قال عليه الصلاة والسلام: {لا يدخل الجنة قتات } وفي لفظ: {نمام } وهو الذي يطلب المعايب، وهو الذي يأتي بالأراجيف بين الأحبة، وهو الذي يهدم المجتمع المسلم.
فمن آداب النصيحة عند أهل السنة : أنهم يتثبتون من الشائعات، حتى ينكروا أو يأمروا على بصيرة، فإذا أمروا ونهوا كانوا على قدم ثابتة مما قالوا ومما فعلوا، كان عليه الصلاة والسلام إذا أتته الأخبار؛ سأل وتثبت عليه الصلاة والسلام واحتاط حتى يبلغ به العلم اليقين صلى الله عليه وسلم، والله جل وعلا يقول: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً [النجم:28] وكثير من الناس إن يظنون إلا ظناً وما هم بمستيقنين، وقد رأينا بعض الناس يتقول على فضلاء ونبلاء، فإذا سألته: هل سمعته؟ قال: لا.
بل قال لي فلان، فتذهب إلى فلان؛ من قال لك؟ قال: فلان، فتذهب إلى فلان، فردك على فلان سند إسرائيلي من الإسرائيليات، معنعن بالمجاهيل والمناكير من أوله إلى آخره، أحاديث مبهرجة لا أساس لها من الصحة، وهذه وكالات أنباء عالمية، اسمها (وكالة يقولون) وهي تفسد القلوب، وتشتت بين الأرواح، وتأتي بالأخطاء للفضلاء والنبلاء، وتستحدث الخصومات، وتعتمل المعارك بدون أن يكون لها أساس.
قال عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه: {كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع } بعض الناس جالس بلا عمل على الرصيف، همه في أول النهار -لأن الناس في مدارسهم ووظائفهم- أن يوصل السيارات بعينيه، يأخذ السيارة من طرف الشارع فيوصلها إلى طرف الشارع الآخر، ويأخذ الثانية إلى صلاة الظهر هكذا، ثم يذهب إلى بيته ويستمع إلى الأنباء التي تدار في الساحة، وفي اليوم الثاني ينشر الأخبار الصباحية على المسلمين، وهذا لو أنه أخذ بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، يوم قال: {من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه } اشتغل بخاصة نفسك، تركك ما لا يعنيك أفضل، وإذا لم تفعل خيراً لمسلم فكف أذاك عن المسلمين، فإنها صدقة تتصدق بها على نفسك.

الصبر على الأذى في النصحية


ومن آداب أهل السنة في النصيحة: أنهم يصبرون على الأذى، ينصح بلين ولكن نتائج النصيحة لا نعرفها؛ لأن المنصوحين ليسوا على طبقة واحدة، بعضهم يفتح قلبه لك، ويفتح بابه، ويعانقك، وبعضهم يردك من عند الباب بلا ضرب وبلا ملاكمة والحمد لله، وبعضهم يكشر في وجهك، ويرفع صوته، وبعضهم يرد عليك بكف حامية، وهذه منازل الناس، ولذلك قال لقمان لابنه: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ [لقمان:17] فأتى بالصبر بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والرسول عليه الصلاة والسلام أوذي، والله الذي لا إله إلا هو لو أوذي كل داعية، ومهما أوذي من الدعاة والعلماء وطلبة العلم والصالحون والصالحات؛ ما بلغوا عشر معشار ما وُجِدَ من الأذى ما وجد عليه الصلاة والسلام في سبيل الدعوة، فلا إله إلا الله كم صبر! ولا إله إلا الله كم صابر! ولا إله إلا الله كم احتسب! حتى بلَّغ اللهُ دعوته مبلغ الليل والنهار.
والفيافي حالمات بالمنى تتلقاك بتصفيق مثير
والرمال العفر صارت حللاً عجباً من قلبك الفذ الكبير

أوذي، وشتم، وسُبَ وأخرج من داره، وبيعت أملاكه، حورب، جرح، قتل أصحابه، ضربت بناته، ومع ذلك يردد حاله:
إن كان سركم ما قال حاسدنا فما لجرح إذا أرضاكم ألم

وقد ورد في أحاديث: أن ملك الجبال أتى إليه لما أخرجه أهل مكة بأذى، أخرجوه من مراتع الصبا، من أرض الطفولة، من الأرض التي أحبها، أسفك الدماء؟ أأخذ الأموال؟ أهدد الأبرياء؟ بل أراد أن ينقذهم من النار إلى الجنة، وأن يخرجهم من الظلمات إلى النور، أخرجوه، وقف ينظر إلى مكة وهو يبكي، وهذا الحديث يحسنه كثير من العلماء، وقف يقول: {والذي نفسي بيده، إنكِ لمن أحب بلاد الله إليَّ، ولو لا أن أهلك أخرجوني ما خرجت }.
وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا

أطفاله؛ زوجاته؛ أصحابه، أخرج وحيداً فريداً، لا زوجة ولا ولد، ولا معين إلا الواحد الأحد، ففكر في الدنيا، إلى أين يذهب؟ فذهب إلى أهل الطائف ، فوقف عليهم جائعاً متعباً سهران ظمآن، فدعاهم إلى الله عَزَّ وَجَلّ.
واسمعوا إلى الرد القبيح الذي يساوي وجوه هؤلاء الكفرة، قال أحدهم: أما وجد الله غيرك في الدنيا حتى يرسلك إلينا؟ فتضاحكوا، وقال الثاني: أنا أمزق ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك.
وقال الثالث: إن كنت نبياً فأنت أجل من أن أكلمك، وإن كنت كذاباً فلن أكلمك، فليتهم تركوه، جائع ليس في بطنه شيء، ضمئان سهران، قال الله له: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً [المزمل:1-2] فقام ثلاثاً وعشرين سنة، ما نام وما ارتاح، في سهاد، وجهاد، وجلاد، وعبادة، وزهادة؛ حتى رفع الله به راية الحق واجتمعنا على ذكره.
المصلحون أصابع جمعت يداً هي أنت بل أنت اليد البيضاء

عاد فأصبح بين حربين بين الطائف ومكة ، إلى أين يذهب، قال ملك الجبال بعد أن جرحوه بالحجارة: يا محمد! أتريد أن أطبق عليهم الأخشبين؟ جبلين في مكة على أهل مكة ، قال: {لا.
إني أرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله، ثم قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون } رفع الله منـزلتك، وآتاك الوسيلة، وجزاك الله عما قدمت لنا من الهدى ومن نصيحة، والله الذي لا إله إلا هو ما تركت خيراً إلا دللتنا عليه،ولا تركت شراً إلا حذرتنا منه، أعطيتنا وهديتنا وواسيتنا، فرفع الله منـزلتك وأعطاك الشفاعة يوم العرض الأكبر.
هذا من هديه عليه الصلاة والسلام في النصيحة، هديه الصبر على الأذى، والداعية يتعرض لإيذاءات، وطالب العلم، والرجل الملتزم، والرجل الصالح يترك الغناء، فيوصف بالتطرف والتزمت، يهتدي بالرسول عليه الصلاة والسلام بالسنة فيُلمز، يحافظ على الصلوات فيوصف بأوصاف بشعة، وهو على الحق، يا ملتزم! يا مستقيم! يا من تتعرض لحروب من الشائعات والتجريحات! قل لهذا المنتقد:

ولـو أني بليت بهاشمي خئولته بنو عبد المدان

لهان علي ما ألقى ولكن تعالوا فانظروا بمن ابتلاني
عجيب! أصبح عبد الأغنية يتكلم! أصبح ابن المسرحية يتحدث! أصبح الذي لا يعرف المسجد المتخلع في الحرمات ينتقد الأخيار! والله هذا أمر عجب، وإنه واقع لا محالة، وكأنه من السنن الكونية في الأرض، والله تعالى يقول: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً [الفرقان:31].

إنزال المسائل منازلها


ومن آداب الدعوة عند أهل السنة والجماعة أن ينزلوا المسائل منازلها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد سبق شيء من هذا، لكن أقول: المنهج القرآني يعطي المسألة حجمها، العقيدة أخذت ثلاثة أرباع القرآن، الغيبة في آية أو آيتين، غض البصر في آية، خفض الصوت في آية، فلماذا تضخم أنت الجزئيات حتى تطغى على الكليات، وتقلل الكليات حتى تصبح جزئيات؟ لابد أن تكون حكيماً.

فوضع الندى في موضع السيف بالعلا مضركوضع السيف في موضع الندى

أتى عليه الصلاة والسلام إلى الحرم المكي يدعو إلى لا إله إلا الله محمد رسول الله، في قوم لا يعرفون الله، يشربون الخمر، يأكلون بالشمال، يتعاملون بالربا، يسبلون، أفمن الحكمة أن يقول: الإسبال حرام؟ أيستمع له أبو جهل وأبو لهب إذا قال: السنة أن يكون الثوب فوق الكعبين؟ وهل المسألة مسألة ثياب الآن؟ أيستمع له لو قال: الخمر حرام؟ فالمسألة أعظم من ذلك، وبعض الناس يذهب إلى بعض الوثنيين فيكلمهم في تربية اللحى، وما عليك لو ربى الوثني لحيته، أما كان - كاسترو - إلى سرته، وأمثاله من أعداء الله عَزَّ وَجَلّ لحاهم إلى أسفل صدورهم! وكذلك وكارل ماركس الذي يتبعه على إلحاده ولعنته في العالم ألف مليون، هذا عنده لحية طويلة، لكن على غير هدى، فماذا ينفعنا أن نربي الناس على جزئيات يتمثلونها والخراب من الداخل، هذا مثل رجل أتى إلى بيت مهدم من كل جهه فلطخه بالألوان فأظهر أنه جديد، وهو بيت مهدم يقول الله تعالى: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [التوبة:109] تأتي إلى رجل لا يصلي في المسجد، فتقول: يا فلان! رأيتك قبل أسبوع تأكل بالشمال، وقد ورد فيها أحاديث في صحيح البخاري وصحيح مسلم ، هو لا يعترف بك ولا بـالبخاري ولا بـمسلم ، يأكل باليمين، ولا يصلي بالمسجد، إبدأ بالتدرج.
ودليل التدرج في الدعوة ما في الصحيحين ، من حديث معاذ : أن الرسول عليه الصلاة والسلام أرسله إلى اليمن وانظر الكلام، وانظر إلى المنهج الرباني الخالص، نحن نتحدى به عملاء الضلالة وأصنام الجهالة والأغبياء والأقزام في العالم، أهل المذكرات السخيفة الغبراء، التي هي كوجوههم، نحن نتكلم لهم بمنهج رباني، (قال الله وقال رسوله عليه الصلاة والسلام).
نسب كأن عليه من شمس الضحى نوراً ومن فلق الصباح عمودا

قال: {إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك، فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة } ثم سرد معه الحديث المتفق عليه، عجيب! هذا من أحسن المناهج التي يجب على المسلم أن يطبقها في الحياة.

معرفة حال المنصوح


ومن آداب النصيحة عند أهل السنة أنهم يعرفون حال المنصوح.
الذي تريد أن تنصحه فعليك أن تعرف حاله، ومشاعره، ومكانته، وعمله، والمشكلات التي يعيشها، وبيئته، هذه هي الحكمة، تأتي إلى مجتمع وأنت خالي الذهن عن المجتمع، وتريد أن تتحدث عن قضية، أهل البادية لا يصلون ولا يعرفون الصلاة، وصلنا إلى بعض الجهات، فسأل سائل منهم، شيخ في الستين من عمره، قال: الغسل من الجنابة واجب، قلنا: نعم واجب فالتفت له جاره -شيخٌ مثله- قال: كلما أتيت أهلك تغتسل! أين الماء الذي يكفي؟ يقول: تصدق هؤلاء المطاوعة، كلما جئت أهلك تغتسل! أين الماء الذي يكفي؟ يفتيه بفتوى جاهلية.
فهل يعقل أن يأتي داعية إلى هؤلاء فيتكلم عن مشكلات البنوك الربوية، أو الحد من الأسلحة، أو درجات الحرارة؟ أو يأتي إلى هذا المجتمع بمشكلة الخدم والخادمات؟ هم لا يعرفون الخدم ولا الخادمات، ولا الخروج ولا السائق، وليس في البادية ولو سيارة، سياراتهم الحمير المصفنة المجنحة، فحالة البيئة، ومعرفة مع من تتحدث؛ من آداب أهل السنة إذا تحدثوا مع المدعو.
تأتي إلى إنسان تشعر بمكانته وكرامته فتهين كرامته تحت رجليك ثم تقول: اتق الله، إن لم تتق الله ليقصمنك الله، وليعذبنك عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين.
هذا لا يليق، بل أعطه مكانته، خاطبه بألفاظه، ألفاظ الوقار، ألفاظ التبجيل، والتدبيج، والتوشيح، الطعام لا يُقبل إلا بالتوابل، لو لم تفلفله وتجعل منه مذوقات ومشهيات ما أكل، فهذه الدعوة مثل ذلك، إن لم تقدمها في باقة من الود والحب واللين، وتضفي عليها شيئاً من الأنس واللطافة، ما قبلها أحد.
ولذلك كان هذا منهجه عليه الصلاة والسلام، يأتيه أعرابي من صناديد الكفر ينكر الدين، فيعطيه عليه الصلاة والسلام مائة ناقة، وفي اليوم الثاني مائة، وفي اليوم الثالث يعطيه مائة، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله.
لا بد أن نقدم للناس خدمات، بعض الشباب كانوا في سكن جامعي، وكان عندهم شاب جار لهم، يترك الصلاة في المسجد، ويمرض، ويصحو، ولا يزورونه، مهمتهم فقط إذا حانت الصلاة يضربون بابه ضرباً ويقولون: صل يا عدو الله! صل قاتلك الله، ثم يخرجون، ويقول أحدهم: اللهم اعلم أني برأت ذمتي، وأني دعوت إليك، وكلما جاءت الصلاة ضربوا الباب، صل يا عدو الله! مرض هذا الشاب وزاره داعية في المستشفى، وقال -وهو لم يعرف سيرته- قال: يا أخي! هذا المرض درس لك في الحياة، أرى أن تتوب إلى الله، وأن تعود إلى المسجد، وما تطلب مني فأنا أخوك وأنا صاحبك، وأنت لا زلت في الإسلام وأسرتك مسلمة، وأعطاه محاضرة.
قال: يا أخي! بعد ماذا أهتدي مع هؤلاء الجيران، والله ما زاروني، لقد احتجت إلى سيارة أحدهم يوماً من الأيام فلم يفعلوا، أحتاج إلى قرضة من المال ما فعلوا، وحسب ونسب فيهم، قال: ما يعرفون إلا ضرب الباب مع كل صلاة، كيف أستجيب؟ أريد أن أصلي لكن أتذكر فعائلهم فأبقى على السرير.
ولذلك بعض الأفعال تحبط المدعو، تجعله لا يستجيب، ينكى في قلبه بنكايات، فيريد أن يقوم فيرفض قلبه، يقول له: لا تقم، لأنهم ما قدموا له شيئاً، ما قدموا رصيداً.
الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتلطف بالمدعو أياماً، يقول صفوان: يا محمد! أمهلني شهراً حتى أفكر في هذا الدين، قال صلى الله عليه وسلم: لك أربعة أشهر، فقبل الشهر، وقبل الأربعة الأشهر فأتى وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأحد الجاهليين من اليهود، اسمه ابن سعنة ، ذكره المؤرخون، قرأ التوراة فرأى أوصاف الرسول صلى الله عليه وسلم إلا وصفاً واحداً، أنه صلى الله عليه وسلم، كلما زدته غضباً زاد حلماً، فأراد أن يجرب، رأى الرسول صلى الله عليه وسلم، فرآه أبيض مشوباً بحمره كالوصف، رآه ربعةً، النور في وجهه، كل وصف رآه، لكن كيف يجربه بالحلم، ذهب وأتى بمال وقال: يا محمد! عندي مال وأنت بحاجة إلى المال، اقترضه مني إلى حين، فأخذه صلى الله عليه وسلم مقترضاً لحاجة، وقبل أن يحل الوعد أتى اليهودي في صلاة العصر، والناس مجتمعون مع الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد! اقضني مالي، إنكم مطل يا بني عبد المطلب! أي: تماطلون صاحب المال، اقض مالي ثم غضب ورفع صوته، فغضب عمر، قال هذا اليهودي بعد ما أسلم: فرأيت عيون عمر تتدحرج في رأسه، يريد عمر أن يقضيه من الحياة؛ لينقله إلى الآخرة مباشرة، فأسكته عليه الصلاة والسلام، وقال: يا عمر ! كان الأولى أن تأمرني بحسن القضاء وتأمره بحسن الاقتضاء، ثم قام عليه الصلاة والسلام، وكلما رفع اليهودي صوته كلما تبسم صلى الله عليه وسلم، وذهب به فأعطاه ماله وزاده، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، قرأت كل صفة فيك فرأيتها كما قرأتها، إلا صفة أنك كلما أُغضبت ازددت حلماً، فرأيتها اليوم، فأنت رسول الله لا محالة، قال الله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الأحقاف:10] قيل هذا في عبد الله بن سلام وقيل في غيره.
lahif غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-10-2013, 06:26 PM   #2
عضو سوبر
 

افتراضي

وأتمنى أن يستفيد كافة أعضاء
lahif غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-10-2013, 06:47 PM   #3
مراقب عام على المنتديات
 
الصورة الرمزية MENOMAN
 

افتراضي

كل الشكر اخى على المجهود وفى انتظار كل جديد

تقبل خالص تحياتى
MENOMAN غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-10-2013, 06:55 PM   #4
عضو سوبر
 

افتراضي

بارك لله فيك يا أخى
lahif غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-10-2013, 07:03 PM   #5
صديق المنتدى
 
الصورة الرمزية abood
 

افتراضي

بارك الله فيك وادخلك الجنة واصل تكيزك وابداعك
abood غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-10-2013, 08:09 PM   #6
صديق ايجيبت سات
 
الصورة الرمزية ابوعلي
 

افتراضي

بسم الله ما شاء الله دائما متميز بارك الله فيك على هذا الموضوع المفيد والمهم
ابوعلي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-10-2013, 08:42 PM   #7
صديق المنتدى
 
الصورة الرمزية Mr. Mahmoud
 

افتراضي

ادعــوا الله ان يحــرم عنـك النــار
حـرها وسمــومها وعذابـــها
انه جــواد كــريم
ويجعــل هذا الموضــوع في مــوازين حسنـــاتكِ

وتسلم الايادي
Mr. Mahmoud غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-10-2013, 08:49 PM   #8
عضو سوبر
 

افتراضي

جزاك لله ألف خير
lahif غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
آداب الحوار والحديث في الإسلام ابو ساره 2012 المنتدى الأسلامى العام 4 04-06-2014 12:11 PM
هجوم الإعلام السعودي على الإسلام السياسي ودعاة الإسلام moklis المنتدى الأسلامى العام 3 12-16-2013 11:29 AM
تعالوا نتعلم آداب الطريق في الإسلام ابو ساره 2012 المنتدى الأسلامى العام 5 08-29-2013 07:53 AM
أدب النصيحة (2) محمد صفاء الصوتيات والمرئيات الأسلامية 5 05-05-2013 10:03 PM
آداب العلم في الإسلام الساهر المنتدى الأسلامى العام 7 04-23-2013 02:55 PM


الساعة الآن 03:47 AM


1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123