Loading...




المنتدى الأسلامى العام General Islamic Forum


إنشاء موضوع جديد  إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 01-14-2015, 04:33 PM   #1
صديق المنتدى
 


افتراضي التصوير البياني في سورة الرعد

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته



التصوير البياني في سورة الرعد



إن للعبارة القرآنية أسلوبها الفريد في التصوير البديع القائم على عرض النماذج الحية في الكون والإنسان، والأحاسيس والمشاعر، فيما يكشف عن نعيم المؤمنين، ويصف عذاب الكافرين، وفيما يتعلق بوصف الجنة والنار، وأحوال السعداء والأشقياء، وفيما يصور مدى علم الله بالغيب، وإحاطته المطلقة بحال الكون ومَن عليه.



وقد عرضت سورة الرعد لكثير من المعاني التي عبر عنها - بصور رائعة - تآلفُ نظمها، واتسق على أروع طرق في التعبير الذي يرتقي "بالصورة فيمنحها الحياة الشاخصة، والحركة المتجددة، فإذا المعنى الذهني هيئة أو حركة، وإذا الحالة النفسية لوحة أو مشهد، وإذا النموذج الإنساني شاخص حي، وإذا الطبيعة البشرية مجسدة مرئية"، والطبيعة الكونية حية تنبض بالحركة المتوالية في أفق الكون الفسيح.


وإذا تدبرنا هذه السورة الكريمة استشعرنا عظمة التصوير البياني في ثنايا آياتها، وهي تعرض آيات الله ومظاهر قدرته في السموات المرفوعة بغير عمد، والشمس والقمر، كل منهما يسعى إلى غاية، وفي الأرض وبسطها وتثبيتها بالجبال الراسية، وجعل الأنهار، وبث الثمرات، وفي الليل والنهار يتعاقبان، وما في الأرض من حدائق وزروع، وفي البرق والخوف منه والطمع فيه، والسحاب وما ينزل منه من ماء، وجريانه في الأودية سبلاً ذا زبد، أو غير ذي زبد، وتصوير الرعد في صورة مسبح بحمد الله: ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ [الإسراء: 44]، وفي الصواعق وما يحدث منها.


وتلك الصور البديعة تعبر عنها، وترسم ظلالها الآيات الكريمات من قوله - تبارك اسمه -: ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ * وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [الرعد: 2 - 4].


وقوله - تعالى -: ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ﴾ [الرعد: 12، 13]، وقوله - تعالى -: ﴿ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ﴾ [الرعد: 17] إلى قوله: ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ﴾ [الرعد: 17].


وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [الرعد: 41].


تلك سبع آيات تتحدث جميعها عن آيات الله في الكون، ومظاهر قدرته، وإذا تدبرنا المعاني التي أدت هذه الأغراض، وأسلوب الأداء لكل معنى من هذه المعاني - فسنجد الأسلوب القرآني فريدًا، يمتاز على غيره من كل أسلوب، لتنوعه مرة بالحقيقة وأخرى بالمجاز، والتعبير بالمشاهد الحسية وباستثارة العقول، والاحتكام إلى العواطف، وبالتخييل الحسن، إلى غير ذلك مما تفيض به الآيات من سبل التوضيح، ووسائل الإقناع والاستمالة، من استعمال صورة المقابلة، والتجنيس، والكنايات، والاستعارات والتمثيل، وعموم وسائل البيان.


ولعل من أبرز ما يطالعنا في ثنايا هذه الآيات من وضوح التصوير الفني فيها ما تعتمد عليه من أسلوب التقابل والتضاد؛ "لأن المعنى يجر ما يقابله، والضد أكثر خطورًا بالبال، والعقل أسرع استجابة له، وهو الذي يوضح الفكرة، ويعين على فهمها"، وبضدها تتميز الأشياء، "وإدراك الأضداد عملية ذهنية يسيرة، لا تحتاج إلى كدِّ الفكر"، وهذه الظاهرة تتبين في مقابل السموات المرفوعة، بالأرض المبسوطة، وفي الليل والنهار، والخوف والطمع، وفي يذهب ويمكث، كل هذا في تنسيق عجيب لبعض معالم الكون في عقد ذي تقابلات فنية رائعة، نلحظها في الرواسي الثابتة، والأنهار الجارية، وبين الزوج والزوج في كل الثمرات، وبين الليل والنهار، ثم بين مشهد السماء ومشهد الأرض، كل ذلك في إطار متكامل المشهد والصورة في نمط من النظم والتأليف عجيب.

والتصوير الفني في قوله - تعالى -: ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾ [الرعد: 2]... الآية، قد اشتمل على وجوه كثيرة من البيان؛ فهناك القصر في قوله: "اللَّهُ الَّذِي" وهو قصر حقيقي، استفيد من تعريف طرفي الإسناد "الله" و"الذي"، وينجر القصر إلى تسخير الشمس والقمر؛ لأنهما من ملحقات صلة الموصول؛ أي: الله وحده الذي رفع، واستوى، وسخر، وهناك الفصل بين الجمل في قوله: "تَرَوْنَهَا، يُدَبِّرُ الْأَمْرَ، يُفَصِّلُ الْآيَاتِ، لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ"، والفصل هنا لكمال الاتصال؛ لأن الجمل استئنافية وقعت جوابًا لسؤال سائل؛ ففي الأول كأن سائلاً قال: هل حال السموات ظاهر أم خفي؟ الجواب: "ترونها"، وفي الثانية: إن كل تلك الأمور مِن رفع واستواء وتسخير تحتاج إلى مدبِّر، فمَن هو؟ والجواب: "يدبر الأمر"، وفي الثالثة والرابعة: إن هذه الظواهر الكونية آيات مفصلات، فمن الذي فصَّلها، ولماذا؟ والجواب: ﴿ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ﴾ [الرعد: 2].


وفي قوله: ﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ ﴾ [الرعد: 3] الآية، فنون بيانية، لا تقل عن سابقتها في الآية الأولى؛ فهناك الحذف في قوله: ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا ﴾ [الرعد: 3]؛ إذ التقدير: ومياه الأنهار؛ لأن التمنن بالمياه أكمل من التمنن بأخاديدها، ولأن القدرة والحكمة في خلق الماء أتم منها في خلق الأخاديد، وهناك القصر الحقيقي الذي استفيد من تعريف طرفي الإسناد "وَهُوَ الَّذِي" في قوله: ﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ ﴾، ومجيء المسند إليه منكرًا للتكثير والتنويع في قوله: "قطع، وجنات، وزرع"، ثم هذه البلاغة التي تبدو في تقديم المعمول على العامل في قوله: "قطع، جنات، وزرع"، وفي ذلك رد خطأ المخاطبين إلى الصواب؛ لأنهم كانوا يظنون أن الزَّوجين خاصان ببعض الثمرات دون بعض، فبين لهم أن جميع الثمرات مكونة من زوجين اثنين؛ ذكر وأنثى، والْحَظْ ذلك الإيجاز البليغ في قوله: "﴿ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ ﴾" فهاتان لفظتان أغنتا عن الأسباب بذكر "قطع" متلاصقة طيبة وسبخة، وكريمة إلى زهيدة، وصلبة إلى رخوة، وأخرى صالحة للزرع لا للشجر كل تلك المعاني والصفات جمعتها لفظتا "قطع متجاورات"، ويتدرج التعبير في الصورة من إيجاز إلى إيجاز على حد قوله - تعالى -: "﴿ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ ﴾"، فإن هذا التعبير القرآني يحمل في ثناياه "لطائف بلاغية، منها الدالة على لطف الله ووحدانيته وقدرته، وبيان الهدى والحجة الدامغة لمن ضل عن سبيل الله؛ لأنه لو كان ظهور الثمر بالماء والتربة لوجب في القياس ألا تختلف الطعوم والروائح، ولا يقع التفاضل في الجنس الواحد إذا نبت في مغرس واحد، لكن كل ذلك من صنع اللطيف الخبير"، ودليل على عجيب قدرته، وهذه المعاني كلها أغنى عن ذكرها التعبير بقوله: ﴿ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ ﴾، هذا بالإضافة إلى ما يحوي هذا النمطُ الرائع مما يستشير الفكر، ويبعث على التأمل، الذي يفضي إلى الاعتراف بعظمة الخالق - سبحانه.

والْحَظْ دقة التصوير في تقديم ذكر الجنات على الزرع، والإتيان به مفردًا جريًا على الأصل لأنه مصدر، وعلى الرغم من أن الزرع عمود المعاش، فقد قدم ذكر الجنات عليه؛ تنبيهًا على دقة الصنعة، وإحكامًا فيما يجود به الله على عباده من خيرات، كالعنب؛ إذ في خلقته ما يبهر العقول، لكونه مياهًا متجمدة في أجسام رقيقة حلوة المذاق، وراعِ تأخير "نخيل"، فقد ذكرت بعد زرع لئلا يفصل بين الصفة والموصوف، وحتى لا يطول الفصل بين المتعاطفين، ثم إن في التعبير بالصفة دون الموصوف "ما يغني عن ذكر الموصوف بغلبته وجمعه"، وتأمَّل أسلوب التعريض بذم الكفار في قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الرعد: 3]، ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [الرعد: 4].


فإن هؤلاء حرَموا أنفسهم نعمة العقل، فعطَّلوا مقومات التفكير والتدبر، بل عطَّلوا العقل الذي ميزهم الله به على سائر المخلوقات.


إن اللوحة التصويرية لقوله - تعالى -: ﴿ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ ﴾ [الرعد: 4] الآية، لتحمل مشهدًا قديمًا مكرورًا منذ خلق الله السموات والأرض، وهذا المشهد تمر عليه العين في غفلة والنفوس: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾ [يوسف: 105]، لكن التصوير يعرض هذا المشهد جديدًا معبرًا، وإنه لكفيل حين تتملاه العين أن يوقع في النفس أثرًا وجدانيًّا خاصًّا؛ فهذه القطع المتجاورات من الأرض مختلفة في النبات، بل إن النوع الواحد منه ليختلف في الأشكال، فمزدوج ومنفرد، وجميعه يسقى بماء واحد، ولكن تختلف طُعُومه في المذاق، وأيًّا ما كانت هذه الملاحظات فمردها الأول إلى المشاهدة، فمشاهدة هذه اللوحة الطبيعية التي تتوجه إليها الأنظار، لتراها بالبداهة الملهمة، والحس اليقظ بعد أن تتملاها الأبصار، وكم في المشاهد المكرورة المألوفة ما يبدو جديرًا كأنما تتملاه العين أول مرة حين تتجه إليه بالحس الشاعر المتفتح، والعين المتيقظة للألوان بعد الغفلة الغالبة على بني البشر.


وفي الأرض مشاهد كثيرة لعل من أشدها أثرًا في الحس والنفس"تلك الصورة العجيبة التي رسمتها الآية هنا، وكان من أشد التصاقها بالإنسان كونها لصالح حياته ونفعه، وهكذا نرى التصوير القرآني يتخذ الطبيعة ميدانًا يقتبس منه صورة من نبات وحيوان وجماد، بل نجد الآية الكريمة هنا تستمد عناصر التصوير من أقوى وأزكى عناصر الطبيعة، "وهو الماء"، وفي ذلك سر خلود هذا التصوير، فبالماء يحيا كل شيء.

واستشعر روعة التصوير في قوله - تعالى -: ﴿ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا ﴾ [الرعد: 12]، ﴿ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ ﴾ [الرعد: 13]، ﴿ نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ﴾ [الرعد: 41]، وتأمل طريقة الإيضاح، وكيفية أداء المعنى إلى الذهن من خلال هذه الصورة؛ إذ تلف في إطارها صورة تسبيح الرعد، ورؤية البرق، تلك صورة ينتج عنها هذا "التقسيم الجميل: الخوف، الطمع، ولا ثالث لهما"، وأنعم النظر في تشبيه هزيم الرعد بصورة إنسان مسبح، وافطن إلى التعبير بقوله: ﴿ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ﴾ كيف لاءمت كل لفظة أختَها؛ فإن عملية نقص الشيء كيفية أخذه من أطرافه، لا من وسطه أو أعلاه: وإذًا "﴿ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ﴾"، وهذا التعبير مراد به نقص أهل الأرض بابتلائهم بالموت ونوائب الزمان؛ كأخذهم بالخوف والجوع، ونقص في الأنفس والثمرات.


ويمكن أن نستخلص من معالم الجمال التصويري في السبع الآيات السابقة في: انتقال التعبير من صيغة إلى صيغة، وتنوع الأسلوب بين الخطاب والإخبار، وذلك من خصائص الإبداع في النظم القرآني، حتى لا يسير الكلام على نمط واحد؛ فإن مثل ذلك الانتقال تجديد لنشاط السامع والقارئ، وحتى يبدو الأسلوب أمر وضوح وإقناع أكثر مما هو مخاطبة للقلوب والعواطف؛ لأن التصوير في الآيات هنا كائن في مجال إثبات وحدانية الله - تعالى - وعظيم قدرته الظاهرة في تلك الآيات والعلامات التي عددتها، وهذه الآيات - وإن كانت واضحة وضوح الشمس في رائعة النهار - إلا أن أكثر هؤلاء الكفار والمشركين والمعاندين لا يؤمنون بمُوجِدها وخالقها؛ فهم يرونها وكأنهم لا يرونها، ومن هنا انتظم التصوير في أسلوب الآيات من عقد رائع جميل يأتلف من:

1- الأضداد والتقابلات الفنية العجيبة.

2- أسلوب القصر والوصل والفصل.

3- الإيجاز غير المخل.

4- وأخيرًا ضرب الأمثال والتشبيهات المنتزعة من القريب المشاهد، نلحظ ذلك في قوله - تعالى -: ﴿ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾ [الرعد: 17].


وإذا أمعنت النظر في إطار هذا التمثيل الذي يصور مثلاً للحق، ومثلاً للباطل، أدركت بعضًا من أسرار الحكمة التي من أجلها اشتمل القرآن الكريم على أنواع من التشبيهات والأمثال الرائعة التي تؤثر في النفوس والقلوب، وتجعلها مهيأة للقبول، بالإضافة إلى ما في التعبير بسيل الأودية من جمال المبالغة، فإن الأودية لا تسيل، وإنما يسيل فيها الماء الغزير الذي أنزله الله من السماء، وذلك ضرب من البلاغة يسميه العلماء "المجاز الحكمي".




وتكاد لا تخلو سورة من القرآن من تشبيه أو مثل ذلك؛ لأن هذا اللون من البيان، ومن أشرف أنواع البلاغة وأعلاها؛ قال المبرد: والتشبيه جارٍ كثير في الكلام العربي، حتى لو قال هو أكثر كلام العرب لم يبعد".




وإذا كان المبرد قد خص كلام العرب بهذا الفن من الكلام، فإن التشبيه غالب في أساليب الأدب والبيان عند سائر الأمم قديمها وحديثها على السواء؛ وذلك لما يؤديه التشبيه من الأغراض الكثيرة التي يحققها في صناعة الكلام، ولا نجد مجالاً يتسع للإضافة في هذه الأغراض، وغاية ما نقول في هذا المجال: إن القرآن الكريم قد عُني بهذا الضرب من الأساليب الأدبية، وأعني به فن التشبيه لتلك الأغراض التي يحققها في سائر ضروب التعبير، ومن ثم كانت العناية بالبحث البلاغي في التشبيه والتمثيل أثرًا من آثار العناية بالكتاب الكريم؛ لسعة هذين الفنين في اللسان العربي، ولقوة تأثيرهما في النفوس، يقول الله - تعالى -: ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ﴾ [الروم: 58]، وقال: ﴿ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ ﴾ [إبراهيم: 45]، فامتن علينا بذلك؛ لما تتضمنه الأمثال من الفوائد؛ فإنما يُصارُ إليها لكشف المعاني، وإدناء المتوهَّم من الشاهد.


وتلك الصورة الرائعة في المثل الذي ساقته الآية الكريمة من قوله - تعالى -: ﴿ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾ [الرعد: 17] الآية، ينتظم إطاره من إسناد مجازي، وإسناد حقيقي، وذلك مندرج حيث يراد بالوادي الموضع الذي يسيل فيه الماء الكثير، أو يراد به الماء الجاري فيه، فهو من إطلاق المحل وإرادة الحال، وعلى الأول فالإسناد مجازي، وعلى الثاني فالإسناد حقيقي، "وإيثار التمثيل بالأودية على الأنهار المستمرة الجريان لوضوح المماثلة بين شأن الأودية، وشأن ما مثل بها"، ثم إن التصوير هنا مشهد متكامل "تتملاه العين، والأذن، والحس والخيال، والفكر، والوجدان، تصوير حي منتزع من عامل الأحياء، لا ألوان مجردة، وخطوط جامدة، تصوير تقاس فيه الأبعاد والمسافات بالمشاعر والوجدانات؛ فالمعاني ترسم وهي تتفاعل في نفس آدمية حية، أو في مشاهد من الطبيعة تخلع عليها الحياة"، وحول تلك الصور نذكر ما أشار إليه ابن الأثير وهو يتعرض لذكر حد الكناية بقوله: حد الكناية الجامع لها هو: كل لفظة دلت على معنى يجوز حملُه على جانبي الحقيقة والمجاز بوصف جامع بينهما، ثم قال: وكذلك ورد قوله - تعالى -: ﴿ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا ﴾ [الرعد: 17].


فكنى عن العلم وبالأودية عن القلوب، وبالزبد عن الضلال، ويمضي ابن الأثير قائلاً: "وقد رأيت جماعة من أئمة الفقه لا يحققون أمر الكناية، وإذا سئلوا عنها عبروا عنها بالمجاز، وليس الأمر كذلك، وبينهما وصف جامع كهذه الآية وما جرى مجراها، فإنه يجوز حمل الماء على المطر النازل من السماء، وعلى العلم، وكذلك يجوز حمل الأودية على مهابط الأرض، وعلى القلوب، وهكذا يجوز حمل الزبد على الغثاء الرابي الذي تقذفه السهول، وعلى الضلال" [13]؛ .




وأرى أن حمل هذه الآية على الكناية بعيد، ولعله من ابن الأثير دليل واحتجاج على ما ذهب إليه في تحديد معنى الكناية؛ إذ جعل لها جانبي حقيقة ومجاز، ولا أثر لذلك في الآية الكريمة؛ إذ التصريح فيها بالحقيقة ظاهر.




والذي يهمنا في هذا المقام هو استيفاء جوانب التصوير في هذا المثل الذي ضربته الآية الكريمة، وأول ما يستوقفنا من جوانب الإبداع ذلك التناسق العجيب بين تلك الصورة وما سبقها في السياق؛ فإنزال الماء حتى تسيل به الوديان يتناسق مع جو البرق والرعد والسحاب الثقال في المشهد الكوني السابق، الذي سبق للتدليل على قدرة الواحد القهار؛ حيث تسيل هذه الأودية بقدرها، كل بحسبه، وكل بمقدار طاقته وحاجته، وكل ذلك يشهد بتدبير الخالق لكل شيء.




إن الإطار يضم آية واحدة اشتملت على ثلاثة أمثال، ضربها الله في مثل واحد، يقول: كما اضمحل هذا الزبد فصار جُفاءً لا ينفع، ولا ترجى بركته، كذلك يضمحل الباطل عن أهله، وكما مكث هذا الماء في الأرض فأمرعت وربت بركتها وأخرج نباتها، وكذلك الذهب والفضة حين أدخلا النار فذهب خبثهما، كذلك يبقي الحق لأهله، وكما اضمحل خبث هذا الذهب وتلك الفضة حين أدخلا النار كذلك يضمحل الباطل عن أهله"، وأثر التلاحم ظاهر في جو الآيات، ومن خلال ما صورته الآية بأسلوبها البديع المفاجئ، فبعد جو المجادلة الذي أثير في الآيات قبلها تأتي المفاجأة في هذه الآية من قوله - تعالى -: ﴿ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا ﴾ [الرعد: 17].



كأن السورة قد انتقلت إلى موضوع آخر جديد لا صلة ألبتة له بما قبله، لكن لا يلبث هذا الانتقال في الأسلوب المفاجئ حتى يعود إلى الربط بصلب الموضوع، ويستكمل مراحل مواجهة التحدي بين الحق والباطل، وبين أنصار الحق وأعوان الباطل؛ إذ يقول الله - تعالى -: ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ﴾ [الرعد: 17]، ثم يقول: ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ﴾ [الرعد: 17].


وهذه المرحلة جاءت على صورة مَثَلين ماديين مشاهدين جُمِعا في صورة مَثَل واحدٍ لتشابههما في الشكل والنتيجة، ولنقف على هذا التصوير بإمعان.




فالمثل الأول مشهد من المشاهد الكونية يعيشه الذين يقطنون البادية في الصحارى والقفار، وبين السهول والجبال والوديان، إنه مشهد مياه تنزل من السماء، فتعم السهل والوعر".




والْحَظْ في الإطار التصويري لهذا المثل تلك الألفاظ المتخيرة التي تلائم الطبيعة الخشنة، طبيعة البادية؛ حيث القوة في ضجيج الجرس: ﴿ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ﴾ [الرعد: 17]، والقوة في الأداء: ﴿ فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا ﴾ [الرعد: 17]، فلِم "احتمل" دون حمل، إنها قوة في التعبير تتبع قوة المعنى، ثم انظر إلى وصف الزبد بقوله: "رَابِيًا"، ففي ذلك بيان للمحتمل، وأنه لا وزن له فيمكث في الأرض، ولم تقل الآية: فاحتمل السيل فوقه، وفي ذلك إيذان بأن الفوقية مقتضى شأن الزبد لا من جهة المحتمل، تحقيقًا للمماثلة بينه وبين ما مثل به من الباطل الذي شأنه الظهور في بادئ الرأي من غير مداخلة في الحق".


ولاحظ طبيعة الألفاظ في الجانب الثاني من المشهد التصويري، وهو قوله - تعالى -: ﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ ﴾ [الرعد: 17].


يا للعجب، إن طبيعة الحضَر تتسم بالرقة والليونة، فجاءت اللوحة التصويرية هنا بألفاظ لينة تناسب الجو الحضاري؛ إليك قوله: ﴿ يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ ﴾ [الرعد: 17].



ولاستكمال الصورة تأمَّل مشهد تدفق المياه مجتمعة منحصرة بين الجبال، هابطة من كل مرتفع حتى تملأ الأودية، وتسيل عنيفة مخيفة، حتى ليخيل للناظرين أن الأودية تسير معها، وفي ذلك جو يكتنف النفس الإنسانية ويحيطها بشيء من الرغبة والرهبة، وهذا من تأثير الأمثال.


ويتضمن المثل المركب في هذه الآية إشعارًا بتشبيه الصراع بين الحق والباطل، وبين أنصار الحق وأعوان الباطل بحالة الصراع بين الجواهر النافعة والشوائب المفسدة عند حركة السيل الجارف، وحركة الغليان في المعادن وأشباهها، وتشبيه النتائج في كل من الممثل له بالنتائج في كل من الأمثال.


فإذا اعتبرنا هذا المثل المركب من باب التشبيه؛ لقوله - تعالى -: ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ﴾ [الرعد: 17] وقوله: ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ﴾ [الرعد: 17]، فهو من تشبيه التمثيل؛ لأن وجه الشبه فيه منتزع من متعدد، بل هو من روائع التشبيه الغني بالمقابلات الجزئية بين أجزاء من المشبه وأجزاء من المشبه به، مع الحركة المتتابعة العجيبة، والنهاية الناطقة بالنتيجة التي فيها أملٌ باسمٌ لأنصار الحق، ووعيد كالح لجنود الباطل، وأول هذه المقابلات الجزئية كون الحق والماء منزلين من السماء، وعلى من يعيش في الأرض، مقابل هذه النتائج، إما بالحق الذي لا مرية فيه، وإما بالباطل الذي هو زاهق لا محالة.


وأنعم النظر في صورة تسبيح الملائكة وصورة تسبيح الرعد؛ ففيهما من البديع الرائع "إدماج الحديث عن الملائكة المسبحة من خيفة الله، مع صوت الرعد المسبح بحمد الله، استكمالاً لعرض الصورة الحركية، ما يظهر منها لأعين الناس.. وما يخفى عنها مما يشاهده غيرهم".



ولما استكملت الصورة كامل هيئتها وأعطت كل دلالتها على قدرة الله القادر على الإنعام، والقادر على الانتقام، حسُن التعريض بالصواعق التي ترافق تلك الظواهر في بعض الأحيان، فتنزل بالهلاك على من يشاء الله هلاكَه، وحسُن ختمُ هذه الصورة الرائعة بما يتصل بالأمر الذي سيقت من أجله، وهو إقامة الدليل على قدرة الله - تعالى -: ﴿ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ﴾ [الرعد: 13]، فعلى الرغم من كل هذه الأدلة المنبثة في الكون يجد الكافرون لأنفسهم مجالاً للمجادلة في ذات الله وفي صفاته، وفي قدرته على بعثهم، وحينما تضيق بهم الحجة يبيتون ألوان الكيد للرسول الكريم ولرسالته وللمسلمين، وتصرفهم هذا عناد وإعراض عن الله؛ قال - تعالى -: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾ [يوسف: 105].

والله اعلم

IMAM غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-14-2015, 07:54 PM   #2
كبير مراقبى منتديات ايجيبت سات
 

افتراضي رد: التصوير البياني في سورة الرعد

جزاك الله خيرا
ابو ساره 2012 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
خصائص نظم الأمثال والتشبيهات في سورة الرعد IMAM المنتدى الأسلامى العام 2 10-07-2014 06:53 PM
مقاصد سورة الرعد IMAM المنتدى الأسلامى العام 2 09-17-2014 09:56 AM
من أسرار سورة الرعد محمد صفاء الاعجاز العلمى فى القرآن الكريم 6 04-29-2013 08:02 PM
الإعجاز العلمي في "أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ.."سورة الرعد nadjm المنتدى الأسلامى العام 1 04-08-2013 10:42 PM
سورة الرعد abood الصوتيات والمرئيات الأسلامية 8 03-22-2013 10:39 AM


الساعة الآن 08:55 AM


1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123