Loading...




المنتدى الأسلامى العام General Islamic Forum


إنشاء موضوع جديد  إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 06-13-2013, 06:07 AM   #1
صديق المنتدى
 
الصورة الرمزية Mr. Mahmoud
 


افتراضي سنن الله في الخلق تتصف بالعموم والشمول

سنن الله في الخلق تتصف بالعموم والشمول



أن سنن الله في الخلق تتصف بالعموم والشمول ، وأنها لا تحكم عالم المادة فحسب ، بل تحكم كل ما في هذا الوجود من مخلوقات ، وكل ما يجري فيه من أحداث .. ومن ذلك حياة المجتمعات البشرية ، التي تخضع كذلك لسنن صارمة مطردة ، لا تتخلف نتائجها عن أسبابها . وقد بين الله عز وجل في محكم تنزيله السنن الأساسية ، التي على نهجها تمضي سيرة المجتمعات ، فتسمو أو تنحط أو تبيد .. وقد كان لهذا التوجيه الرباني الحكيم تأثير عظيم في تكوين الأمة الإسلامية منذ نشأتها ، فقد أولى المسلمون منذ بداية الدعوة جل اهتمامهم لتلك السنن ، وكانوا يسترشدون بها في شؤون حياتهم المختلفة ، مما أدى بالنتيجة إلى تماسك المجتمع الإسلامي الوليد حينذاك ، وأدى كذلك إلى ترسيخ المفاهيم الحضارية في كل المجتمعات ، التي دخلها الإسلام بعد ذلك .
ويُعد العلامة ( ابن خلدون ) صاحب الفضل الأكبر في وضع الأصول الأولى لعلم الاجتماع ، إذ كان من أوائل الدارسين الاجتماعيين ، الذين أقاموا دراساتهم على أساس من فهم السنن الاجتماعية ، وقد استطاع ابن خلدون بفضل ثقافته القرآنية العميقة ، واطلاعه الواسع على التاريخ، أن يعرض في ( المقدمة ) التي كتبها لدراسته التاريخية عدداً من السنن الاجتماعية بأسلوب علمي موضوعي . وبدءاً من دراسات ابن خلدون ، بدأ علماء الاجتماع يلتفتون إلى دراسة أحوال الأمم والشعوب ، وفق المنهج الذي وضعه ابن خلدون نفسه ، فلاحظوا أن أي تغيير اجتماعي لا يتم إلا من بعد أن تتوافر الشروط الأولية الخاصة به ، وبمعنى آخر : فإن سنن التغيير الاجتماعي – شأنها شأن أية سنة من السنن الربانية – لا تتم إلا إذا توافرت شروطها ، وانتفت الموانع التي تحول دون تحقيقها . وعلى هذا الأساس نستطيع أن نحدد أهم الشروط التي تتطلبها سنة التغيير ، مسترشدين في ذلك بأمثلة واقعية موثوقة رواها القرآن الكريم عن الأمم الغابرة ، وبخاصة منها الأمم التي بعث الله عز وجل إليها رسله ، يدعونها للالتزام بمنهج الله وشريعته – على أساس أن هذا الالتزام هو الطريق القويم لتغيير المجتمع ، وتأهيله للقيام بمهمة الاستخلاف خير قيام.

أ – الفكرة ( العقيدة ):

.. ما من شك في أن أي نشاط إنساني لابد له أن ينطلق من ( فكرة مبدئية ) ، لأن الأفكار تبقى هي المحرك الأول لأي عمل ، أو جهد يزمع الإنسان القيام به .. ومما لا شك فيه كذلك أن أي نشاط لا ينطلق من فكرة صحيحة واضحة المعالم ، يكون جهداً ضائعاً ، لأنه يفتقد – على هذه الشاكلة – الضابط الذي يضبط حركته واتجاهه. ولقد سبق أن تحدثنا عن أن الفكرة ، التي يقوم عليها جهد ما ، يجب أن توافق سنة من السنن التي فطر الله عليها أمور خلقه ، حتى تكون هذه الفكرة قابلة للتنفيذ العلمي ، وحتى يكون الجهد مجدياً .. فإن لم تكن الفكرة موافقة لسنة ، كانت عديمة الجدوى في التغيير الذي ننشده ، وقد يترتب عليها – فوق ذلك – نتائج بالغة الخطورة.
والسؤال الذي يعترضنا هنا : ما هي الفكرة المبدئية الصحيحة الموافقة لسنة الله في الخلق ، والتي لابد منها لحصول التغيير المنشود في مجتمع من المجتمعات؟
إن مثل هذا السؤال يحتم علينا الرجوع إلى سجلات التاريخ ، لاستقراء الأحداث التي انتهت بولادة الحضارة الإنسانية ، لنتبين ( الفكرة ) التي قامت عليها هذه الحضارة ، كما يتحتم علينا كذلك الإصغاء إلى آراء الباحثين الذين تناولوا هذه المسألة: أما الرجوع إلى سجلات التاريخ فإنه يقدم لنا بما لا يدع مجالاً للشك أن الفكرة الدينية أو (العقيدة) ، كانت دوماً هي الفكرة الأصلية، التي تولدت عنها الحضارات الإنسانية على مدار التاريخ، وأن أي استقراء منصف للتاريخ، يؤيد هذه الحقيقة تأييداً كاملاً، ويكفينا مثلاً أن نستعرض من خلال سور القرآن الكريم المختلفة ، تاريخ الأمم الغابرة ، حتى نتبين صدق هذا الأمر .. ولنا عودة على هذا الموضوع فيما بعد.
وأما آراء المؤرخين والباحثين والمفكرين الذين تناولوا قضية الحضارات الإنسانية ، فإنها تجمع كذلك على أن التغيير الاجتماعي ، والنهوض الحضاري ، لابد وأن يرتكز في انطلاقته على الفكرة الدينية ، ولا يكاد ينكر هذه الحقيقة أي باحث منصف ، بما فيهم الباحثون الذين كانت لهم مناهجهم الخاصة في تناول القضية، فحتى هؤلاء لم يسعهم إلا الاعتراف بتأثير الفكرة الدينية في تكوين الحضارات ، ومنهم –على سبيل المثال– المؤرخ البريطاني الشهير (أرنولد توينبي) الذي أقام نظريته في تفسير التاريخ، ونشوء الحضارات، على أساس عامل التحدي الجغرافي، فإن هذا المؤرخ في مواضع عديدة من دراسته ، وقف يؤكد أهمية وتأثير الفكرة الدينية في استيلاد الحضارات ، ومما كتبه في هذا: (ولا يسع كاتب هذه الدراسة إلا أن يعترف بقناعته بهذا الرأي ، الذي هو أميل إلى مناصرة فكرة دور العقائد الدينية في مجريات التاريخ .. فإذا ما ألقينا ببصرنا على الحضارات ، التي ما برحت قائمة حتى يومنا الحاضر ، نجد أنه يكمن وراء كل منها نوع من العقيدة الدينية العالمية .. وعلى هذا النحو تصبح العقيدة الدينية جزءاً من نظام الاستيلاد الحضاري. والحقيقة أن توينبي لم يكن أول ولا آخر الذين تحدثوا عن تأثير الدين في النهضة الحضارية ، فقد تحدث قبله وبعده كثيرون حول هذا الموضوع ، وقد أورد (مالك بن نبي) رحمه الله في كتابه شروط النهضة ، آراء عديدة في هذا الشـأن ، ومنها مثلاً رأي المؤرخ ( هنري بيرين) صاحب كتاب (محمد وشارلمان) الذي قارن فيه بين الحضارتين الإسلامية والمسيحية ، وبين دور الديانتين في بعث هاتين الحضارتين. كما نقل ( مالك بن نبي ) عن المفكرة (هرمان دي كيسرلنج) في كتابه ( البحث التحليلي لأوروبا ) قوله: (وكـان أعظم ارتكاز حضارة أوروبا على روحهـا الدينية ، وقوله كذلك (إن الروح المسيحية ومبدأها الأخلاقي هما القاعدتان اللتان شيدت عليهما أوروبا سيادتها التاريخية) ويخلص مالك بن نبي –بعد استعراضه لآراء عديدة– إلى القول : (فالحضارة لا تنبعث إلا بالعقيدة الدينية ، وينبغي أن نبحث في أية حضارة من الحضارات عن أصلها الديني ، الذي بعثها ، ولعله ليس من الغلو في شيء أن يجد التاريخ في البوذية بذور الحضارة البوذية ، وفي البرهمة نواة الحضارة البرهمية .. فالحضارة لا تظهر في أمة من الأمم إلا في صورة وحي يهبط من السماء ، يكون للناس شرعة ومنهاجاً ، أو هي – على الأقل – تقوم أسسها في توجيه الناس نحو معبود غيبي بالمعنى العام ، فكأنما قدر للإنسان ألا تشرق عليه شمس الحضارة، إلا حيث يمتد بصره إلى ما وراء حياته الأرضية ، أو بعيداً عن حقبته ، إذ حينما يكتشف حقيقة حياته كاملة ، يكتشف معها أسمى معاني الأشياء ، التي تهيمن عليها عبقريته ، وتتفاعل معها. والواقع أن الحضارة بمعناها الشامل ، وبمعناها الإنساني ، الذي يرمي إلى رفعة الإنسان والسمو به نحو الأخلاق الفاضلة ، والحياة الكريمة ، لا يمكن أن تتحقق بغير دفعة روحية تستمدها الحضارة من الدين .. ولكن أي دين ؟ أهو الدين بالمعنى العام المغبش الذي أشار إليه فالتر شوبرت؟ أم هو الدين بالمعنى الغيبي الذي ألمح إليه مالك بن نبي؟ أم هو الدين بالمعنى الإسلامي الذي جاءت به الأديان السماوية جميعها؟ إننا بالعودة إلى الواقع ، واستقراء الأحداث ، وفق التوجيه الرباني (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين )(النمل:69) نجد أن نوعاً من المدنية (وليس الحضارة) قد تقوم أحياناً على أساس المبدأ العام ، الذي نوه به فالتر شوبرت ، وقد تقوم أحياناً وفق المعنى الغيبي ، الذي تحدث عنه مالك بن نبي .. ولكن مثل هذه المدنية مآلها إلى الانقراض ، وفي القرآن الكريم شواهد كثيرة على هذا ، قال تعالى: (ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا ، كذلك نجزي القوم المجرمين )(يونس:13).

فهذه الأمم التي تحدث القرآن عن سيرتها للعبرة ، كان لها نوع من المدنيات التي لم تستطع الرقي إلى أفق الحضارة السامي ، لأنها لم تأخذ بمنهج الإيمان ، ولم تجعله هادياً لها للوصول إلى ذلك الأفق ! ونخلص من هذا العرض الموجز ، إلى أن الأساس الأبقى الذي يمكن أن تقوم عليه الحضارة الإنسانية الحقيقية ، هو العقيدة الدينية بلا جدال ، لأن هذا الأساس يستمد مقومات قوته وبقائه من خالق الكون والإنسان ، وهو سبحانه أعلم بما يصلح أمر الكون والإنسان. فالإيمان بالله إذن شرط أولي لبسط النعمة ، أو بالمصطلح المعاصر (الحضارة) وفي هذا يقول رب العزة سبحانه (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض )(الأعراف:96) وأما الحفاظ على هذه النعمة (أو الحضارة) فمرتبط بالصلاح ، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون )(الأنبياء:105) . ولسيد قطب رحمه لله قول بليغ حول أثر الدين في تكوين الحضارة حيث قال : ( حين ينهض الإنسان بالخلافة في الأرض على عهد الله وشرطه ، ويصبح وهو يفجر ينابيع الرزق ، ويصنع المادة الخام ، ويقيم الصناعات المتنوعة ، ويستخدم ما تتيحه له كل الخبرات ، التي حصل عليها في تاريخه كله .. حين يصبح وهو يصنع هذا كله ( ربانياً ) يقوم بالخلافة – على هذا النحو 0 عبادة الله .. يومئذ يكون هذا الإنسان كامل الحضارة ، ويكون هذا المجتمع قد بلغ قمة الحضارة ). إذن .. فإن الفكرة الدينية عامل أساسي في التغيير الاجتماعي نحو الحضارة ، ولكن بشرط أن تكون هذه الفكرة نابعة من دين سماوي خالص ، لم ينله تشويه ولا تحريف .. وما دام الأمر كذلك ، فإننا لا نجد من بين الديانات السماوية ديناً مرشحاً اليوم للنهوض بالبشرية سوى الإسلام ، لأن الإسلام هو الدين الوحيد الذي حافظ – بفضل الله على صفاء عقيدة التوحيد ، كيوم نزلت أول مرة من السماء إلى الأرض ، والسر في هذا أن الله عز وجل قد تكفل بحفظ كتاب الإسلام العظيم ، فقال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون )(الحجر: 9) .. وسوف يبقى الإسلام بهذا الكتاب الكريم ، هو المصدر الوحيد القادر –دوماً وأبداً– على النهوض بالبشرية إلى آفاق الحضارة السامية.

ب – الإنسان:

.. ويقدم لنا القرآن الكريم أدلة عديدة ، تدل على أن دعوة التغيير تبدأ عادة على يدي رجل فرد ، وبعد ذلك يأخذ الناس بالالتفات حول هذا الرجل صاحب الدعوة ، ليعمل هو وهم على إحداث التغيير المنشود . ومع أن هذه هي القاعدة في التغيير ، إلا أننا نلاحظ – من خلال الشواهد القرآنية نفسها – وجود استثناءات لهذه القاعدة ، ومن ذلك مثلاً ما نلمسه في قصة أصحاب القرية التي ورد ذكرها في سورة يس: (واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون * إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون )(يس: 13 – 14) فقد أرسل الله عز وجل إلى أهل تلك القرية ثلاثة من رسله ، ولكن القوم كذبوهم وردوهم رداً قبيحاً ، ولم يستجيبوا لدعوتهم .. وبينما هم يجادلون رسل الله جاءهم رجل .. رجل نكرة ، لكنه رجل صالح: (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين * اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون ) (يس: 20 – 21) واستمر الرجل يدعو القوم إلى الإيمان ، ويرغبهم فيه ، ويحذرهم من عذاب الله ، الذي يتربص بهم ، ويبين لهم ما هم فيه من ضلالة ، ولكنهم لم يسمعوا له ، ولم يستجيبوا .. ويوحي سياق القصة بعد ذلك أنهم لم يمهلوا الرجل أن قتلوه ، وانتهى أمره في لحظات ، كما بدأ في لحظات ، لكن حكاية القرية لم تنته عند هذا الحد ، بل تنزل أمر الله ليغير حال القرية عن بكرة أبيها : ( وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين . إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون ) ( يس 28 – 29 ) فكأن دعوة الرجل الصالح ، كانت الإنذار الأخير من رب العالمين لأهل تلك القرية ، التي استؤصلت من على وجه الأرض ، وباستئصالها تم التغيير المنشود. ولقد يعترض معترض هنا فيقول : وأي تغيير هذا الذي انتهى بالدمار ؟ فنقول: هو تغيير لا شك في ذلك ، هو تغيير بالمعنى الأشمل للتغيير ، فمادام أهل القرية قد رفضوا دعوة الهداية والرشاد ، وأصروا على كفرهم ، وعلى انحرافهم عن الفطرة الربانية – على الرغم من الدعوات المتكررة ، التي جاءتهم – فقد أصبحوا بموقفهم ذاك يمثلون أزمة ، أو داءاً مزمنا بالنسبة للمجتمع البشري، ومثل هذا الداء المزمن لا ينفع فيه غير الاستئصال الجراحي .. وهذا ما كان فعلاً .. وليس هذا المثال الذي قدمناه فريداً في التاريخ البشري ، ففي القرآن الكريم أمثلة كثيرة نطالعها في الآيات ، التي تحدثت عن قصص الرسل ، الذين لم يؤمن معهم أحد من أقوامهم ، أو آمن معهم نفر قليل ، فانتهى أمر تلك الأقوام إلى الهلاك ( قوم عاد ، قوم نوح ، قوم ثمود ، قوم لوط .. وغيرهم كثير ) . إذن كيف يكون التغيير الآخر ، التغيير الذي لا ينتهي بالهلاك ، بل يتوج بنهوض الأمة إلى آفاق الحضارة الإنسانية السامية؟ وللجواب عن هذا السؤال ، نعود من جديد إلى رحاب القرآن الكريم ، لنجد أن مثل هذا التغيير الطموح لا يمكن أن يتحقق ، أو يكتب له النجاح ، ما لم تستجب له نفوس الغالبية من الناس ، لأن المجتمع – من هذه الوجهة – يشكل في مجموعه جسداً واحداً ، لا يصلح إلا أن تصلح معظم أعضائه ، ولقد أخبرنا القرآن الكريم أن أنبياء الله – عليهم السلام – كانوا دوماً يتوجهون بدعواتهم إلى أفراد المجتمع كافة بلا تمييز ، من أجل هذه الغاية أملاً في كسب العدد الكافي منهم إلى صف الدعوة ، لأن هذا العدد أمر لازم حتى يتغير حال المجتمع . وربما كانت دعوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، هي الدعوة الوحيدة ، التي استطاعت أن تحل المعادلة الصعبة ، ونعني بها كسب العدد الكافي من الناس إلى صفها ، في وقت قياسي ، على الرغم من العوائق الهائلة التي اعترضت سبيلها .. فقد ظل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما يقارب ثلاثة عشر عاماً في مكة ، يدعو قومه للإيمان بدعوة التوحيد ، باذلاً في ذلك أقصى جهده ، فلم يؤمن بدعوته إلا قليل من الناس ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ييأس ، ولم يقنط من رحمة الله ، وتأييده ونصره ، فواصل جهاده ، حتى قيض الله عز وجل رجالاً أتوا في موسم الحج من يثرب إلى مكة ، فالتقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعرض عليهم الإسلام ، فأسلموا ، ثم عادوا إلى قومهم يدعونهم للإيمان بالدعوة الجديدة ، فوجدوا منهم قبولاً حسناً ، على النقيض مما كان في مكة ، التي وقف سادته حائلاً عنيداً بين الناس والدعوة.

وهكذا فشا أمر الإسلام في يثرب ، وتهيأ المجتمع للمرحلة التالية ، فأذن الله لرسوله بالهجرة ، فهاجر هو وأصحابه من مكة إلى يثرب ، (التي تغير اسمها منذ ذلك الوقت فأصبحت تدعى المدينة ، وكان هذا التغيير أحد بوادر التغيير في المجتمع الوليد) وواصل المؤمنون في المدينة جهادهم ودعوتهم ، حتى آمن بالدعوة خلق كثير ، وترسخت دعائم الإسلام ، وتحول مجتمع المدينة من الكفر إلى الإيمان ، وبات الإسلام هو صاحب الكلمة في المجتمع ، وأصبح رسول الله صلى الله عليهم وسلم هو القائد والحاكم في هذه الدولة الوليدة ، التي كانت بحق نواة الحضارة الإسلامية ، التي بدأت أنوارها تشع على الدنيا منذ ذلك التاريخ ..

ومنذ أن تم التغيير في مجتمع المدينة ، وتبعه التغيير في مجتمع مكة بعد الفتح ، وبدأ الناس يدخلون في دين الله أفواجاً .. منذ ذلك الحين بدأت معالم التغيير الحضري تظهر وتنتشر في أرجاء الأرض .. ومما لا ريب فيه أن هذا الفتح المؤزر ، وهذه الثمرة الطيبة لم تكن لتتحقق ، لولا ما توافر للدعوة من رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، أعطوا أقصى ما يستطيعون من أنفسهم وأموالهم وأرواحهم ..

.. فبمثل هؤلاء الرجال يتم التغيير .. رجال لم يكتفوا بالالتفاف حول صاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم، بل جاهدوا أنفسهم حتى تتغير وتتلاءم وطبيعة هذه الدعوة ، وهذا ما حصل فعلاً ، فقد كان نطق الواحد منهم بالشهادتين بمثابة ولادة جديدة له ، فكان على أعتاب الدخول في الإسلام ، يخلع عنه كل ماضيه ، ليرتدي حلة الإسلام ، التي تصوغ نفسه صياغة ربانية تنسجم مع الفطرة ، وتتلاءم وطبيعة الدعوة الجديدة .. وبمثل هذا التغيير ، الذي حصل في نفوس المسلمين الأوائل ، حصل التغيير الحضاري ، الذي لم تشهد البشرية مثيلاً له ، لا قبله ولا بعده .. والسبب أن هذا التغيير يساير السنة التي فطر الله عليها أمور خلقه، والتي بينتها الآية الكريمة في قوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )(الرعد: 11) ، فعندما تغيرت تلك النفوس بالإيمان ، غير الله ما بها من جاهلية ، وخلصها من ربقة القبلية الضيقة الشقية ، إلى آفاق الأمة المتوحدة المتكاملة ، ونقلها من مستنقع التباهي بالأنساب والأحساب ، إلى روضة الأخلاق الإنسانية الوارفة!

ج - الزمن:

.. وبعد أن يتهيأ للدعوة فكرة صحيحة ، (أو عقيدة كما قدمنا) ويتهيأ لها العدد الكافي من الناس ، الذين يؤمنون بها ، ويبدؤون تحركهم على أساسها ، يأتي دور (الزمن) باعتباره عاملاً أساسياً من العوامل اللازمة لإنضاج عملية التغيير .. والملاحظة الأولى التي تستوقفنا فيما يتعلق بالزمن ، أن التغيير الاجتماعي ، يمكن أن يتم في بعض الحالات خلال زمن قياسي قصير ، بينما يتطلب في حالات أخرى أجيالاً عديدة ، قبل أن يكتمل وتظهر آثاره واضحة جلية في المجتمع ، ولنستعرض بعض الأمثلة القرآنية البليغة لنتبين كيف يفعل الزمن في عملية التغيير:

دعوة سيدنا نوح عليه السلام:

.. وتعد دعوة نوح عليه السلام دعوة السلام دعوة متفردة بين الدعوات السماوية ، من حيث الزمن الذي استغرقته ، إذ أستغرقت ألف سنة إلا خمسين عاماً ، قبل أن تؤتي ثمارها ، وقد استمر نوح عليه السلام طوال هذه السنين يدعو قومه إلى الإيمان ، ويعمل على تغيير حالهم واستنفاذهم من الضلال ، سالكاً إلى ذلك شتى الطرق ..

(قال رب إني دعوت قومي ليلاً ونهارا ً)(هود: 5).

(ثم إني دعوتهم جهاراً )(هود: 8).

(ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا ً)(هود: 9).

ولكن .. دون جدوى ، فقد تمسك القوم بكفرهم ، وبالغوا في عنادهم ، حتى جاء البيان من السماء (وأُوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون )(هود: 36) ، وحينئذ فقط أيقن الرسول أن القوم الذين أرسل إليهم قد فقدوا إلى الأبد القابلية للهداية ، وأيقن أنهم تحجروا على حالهم ، ونادى متحسراً (وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً )(نوح: 26 – 27).

.. فالمجتمع الذي تحجر على الكفر ، لا أمل أن يلد إلا فاجراً كفاراً ، وكذلك هي المجتمعات التي تحجرت على حال معينة ، لا يمكن أن تتغير بغير الاستئصال ، وهذا ما كان ، فقد استجاب الله عز وجل دعوة رسوله ، وأنجز له التغيير الذي أراد ، فأغرق الكافرين ، ونجى المؤمنين ، في مشهد للتغيير ، لم تشهد البشرية له مثيلاً على امتداد تاريخها!

ويظهر التفرد في دعوة سيدنا نوح عليه السلام من خلال النتيجة التي انتهت إليها ، فالمؤمنون الذين ثبتوا على دعوة الحق كل تلك السنوات الطويلة ، أصبحوا هم سادة الأرض وعمارها ، وغدوا من ثم نواة المجتمعات اللاحقة.

Mr. Mahmoud غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-13-2013, 07:48 AM   #2
كبير مراقبى منتديات ايجيبت سات
 

افتراضي

بارك الله لك
وجزاك خير الجزاء
ابو ساره 2012 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-13-2013, 08:25 AM   #3
صديق المنتدى
 
الصورة الرمزية abood
 

افتراضي

abood غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-13-2013, 01:24 PM   #4
صديق المنتدى
 

افتراضي

بارك الله فيك اخي وجعل عملك في ميزان حسناتك
IMAM غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-13-2013, 09:05 PM   #5
صديق المنتدى
 
الصورة الرمزية الساهر
 

افتراضي

الساهر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-13-2013, 10:43 PM   #6
صديق المنتدى
 
الصورة الرمزية ابو محمود
 

افتراضي

ابو محمود غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
عدل سيد الخلق النبي محمد صلى الله عليه وسلم الساهر نصرة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام 2 05-27-2014 10:32 AM
قدرة الله في الخلق والرزق abood المنتدى الأسلامى العام 3 02-04-2014 08:12 PM
فضل الصلاة والسلام على سيد الخلق محمد صل الله عليه وسلم الساهر الصوتيات والمرئيات الأسلامية 18 05-24-2013 10:26 PM
حسن الخلق مع الله abood المنتدى الأسلامى العام 4 05-11-2013 09:38 PM


الساعة الآن 12:12 PM


1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123