Loading...




المنتدى الأسلامى العام General Islamic Forum


إنشاء موضوع جديد  إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 02-21-2013, 10:24 AM   #1
عضو مميز
 


افتراضي أثر الدين في إصلاح المجتمع

محمد الخضر حسين (ت:1377هـ)

كل أمة تنشد الإصلاح، وكثيرًا ما يختلف زعماء الأمم في طرقه، وكثيرًا ما تزلُّ أقدامهم إلى حضيض من الفساد، والحقيقة التي نقولها- ونحن على بصيرة مما نقول- هي أن الإصلاح الذي يرفع الأمة إلى منزلة تجلُّها القلوب، وتهابها العيون، وتجعلها في مأمن من أن تتداعى على أركانها، وتسقط إلى خمول واستكانة، هو الإصلاح الذي يرشد إليه الدين الحق، ذلك أنَّ الدين الحقَّ يسير بالناس على الطريقة الوسطى، فلا يأمر بما فيه حرج، كما يفعل بعض الدعاة المتنطعين، قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}. [الحج: 78] ولا يجاري أهواء الناس ابتغاء مرضاتهم، كما يفعل بعض الدعاة المتملِّقين، قال تعالى:{وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ}. [المؤمنون: 71].
وغرضنا من هذا الحديث إلقاء نظرة عامة على نواحي الإصلاح الذي جاء به دين الإسلام...
بعث الله محمدًا – صلوات الله عليه – والعالم في جهالة غامرة، وأهواء جائرة، وأعمال خاسرة، وما زالت هدايته تتكامل حتى أخذت بالإصلاح من جميع أطرافه، فوضعت مكان الجهالة علمًا، ومكان الأهواء هممًا سامية، ومكان الخسر صلاحًا وفلاحًا.
أصلح النفوس بالعقائد السليمة، وزوَّدها بالأخلاق الزاهرة، وشرع من العبادات ما يؤكِّد الصلة بين العبد وربِّه، ثم نظر إلى أنَّ الإنسان لم يُخلق ليعيش في عزلة عن الناس، وإنَّما خُلِق ليكون واحدًا من جماعة، تتعاون على القيام بمرافق حياتها، والأخذ بوسائل سعادتها، فعُني بحقوق ذوي القربى، فقرَّر النفقات والمواريث في نظم محكمة، وحرَّض على إسعادهم، والبرِّ بهم من طرقالمروءة وكرم الأخلاق.

وحاط الزوجية بحقوق تجعل الزوجين في ألفة صادقة، وعيشة راضية، وأخذ بإصلاح رابطة الإيمان، ثم رابطة الإنسانية، ووضع للمعاملات المالية نظمًا عادلة، وللجنايات عقوبات زاجرة، فأصبحت النفوس والعقول والأعراض والأموال والأنساب بتلك النظم والعقوبات في صيانة.
وتناول الإسلام إصلاح الغذاء فأذن في الطيبات من الرزق، وحرَّم أشياء لقذارتها، أو لأنَّها تلحق بالأبدان ضررًا، أو بالعقول خللًا، فترونه قد حرَّم أكل الميتة، وتناوُل السموم والمسكرات والمخدرات.
ووضع الزينة بمكانتها اللائقة، فأذن فيها، وأنكر على من يتعمَّد اجتنابها بدعوى أنَّ اجتنابها منالورع والتقوى، ولكنَّه نهى عنالإسراف فيها، وأنذر الناس سوء عاقبة المسرفين.

وشمل الإسلام بنظرته الإصلاحية ناحية السياسة الخارجية، واتَّجه فيها بين رفق وحزم، فأذن في الحرب متى كان الشرُّ في السلم، وأذن في السلم متى كان الشرُّ في الحرب، وقرَّر للحرب آدابًا تخفِّف من ويلاتها، وتجعلُها كالدواء، لا يتجاوز به المقدار الذي يحصل به الشفاء، وأذن في عقد المعاهدات على وفق المصلحة العامة، وحثَّ على الوفاء بالعهد.
وأرشد الدين إلى التسامح في معاملة المخالفين، غير المحاربين، تسامحًا يُرضي الإنسانية دون أن يبخس حقًّا، أو ينصر باطلًا، قال تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8].
ووجد الإسلام في الناس مزاعم شأنها أن تكدر صفو الفكر، أو تعوق عن كثير من الأعمال الفاضلة، فأماطها عن الطريق السويِّ، كالتشاؤم ببعض الأمور، والإخلاد إلى البطالة بدعوى التوكل أو الزهد، وزعْمِ الاطلاع على الغيب.
ونظر إلى أشياء هي وسائل إلى رقيِّ الفكر البشري، أو وسائل إلى ازدهار العلوم على اختلاف موضوعاتها، فأدخلها في دائرة إصلاحه، كتحرير العقول من أسر التقليد، ودعوتها إلى الاعتماد على الحجة والدليل.{قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111]، وكرفعه من شأن العلم، وحثِّه على طلبه، والسعي إلى تلقينه بقدر الطاقة: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9]. ولو قلت: إن النهضة العلمية الزاخرة التي ظهرت ببغداد وقرطبة هي من أثر الإصلاح الديني، لم أكن مخطئًا.

أصلح الدين الشؤون الفردية والاجتماعية بما أشرنا إليه من النظم والآداب، ولا بد لهذه النظم والآداب من سلطان يشرف عليها، ويردُّ إليها من يحاول الخروج عنها، وذلك ما يسمُّونه السلطة القضائية أو التنفيذية، فدعا الدين الحقُّ إلى إقامة هذه السلطة، ورسم لها سيرة حازمة عادلة، ومما أخذه عليها، أن تقيم سياستها على قاعدة الشورى، ومثل قاعدة: التسوية بين أفراد الأمة وجماعاتها، قال تعالى:{وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159] وقال وأثنى تعالى:{وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38]. قال- عليه الصلاة والسلام- : ((وايم الله! لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت، لقطع محمد يدها)). وكما جعل هذه السلطة راعية للأمة، جعل لعلماء الأمة وحكمائها الحقَّ في أن ينصحوا للحائد في قضائه أو تنفيذه عن طريق الرشاد. قال تعالى:{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104].

ومن أثر إصلاح الدين للقضاء: ما يحدثنا به التاريخ عن أمثال قاضي قرطبة منذر بن سعيد؛ إذ كانوا يحكمون على الخليفة في قضايا يرفعها عليهم ناظر يتيم، أو تاجر قليل البضاعة خامل الذكر، وقد أتت رعاية العلماء الأمناء للسلطة القضائية أو التنفيذية فيما سلف بخير كثير.
يرعى الدين مصالح الأفراد والجماعات، وينهى عن الأعمال والمعاملات الضارة، وإن رضي بها من يلحقه ضررها، ومن هنا شرع الحجر على السفهاء، وحرَّم الزنا ونحوه في كلِّ حال.
ويتحدَّث الناس عن الاشتراكية، وقد حلَّ الدين هذه المشكلة؛ بأن جعل للفقراء أنصباء في أموال الأغنياء تُؤخذ لهم، رضي الأغنياء أم كرهوا، وإذا نظرنا إلى أنَّ الغنيَّ- الذي يكون في ماله حقٌّ للفقراء- هو كلُّ من يملك النصاب المقرَّر في الزكاة، عرفنا أنها اشتراكية كافية وعادلة.
وإذا تحدَّث الناس عنالرفق بالحيوان، فإنَّ الدين الإسلامي قد وجَّه إلى الحيوان جانبًا من عنايته، فحضَّ علىالرفق به، ونهى عما فيه تعذيب له، وشواهد هذا من نصوص الشريعة وسيرة علماء الأمة وأتقيائها ليست بقليل.
يحضُّ الإسلام على إصلاح شؤون الأمة عامة أو خاصة، حتى إنَّك لتراه يأمر بالفعل المشتمل على مصلحة، ويحذر أن يعتذر الناس بفقد الوسائل التي يتحقق بها هذا العمل الصالح، فيعود إلى الأمر بإعداد وسائله، حتى يتحقق الإصلاح، كما أمر بالدفاع عن الأوطان، وحذَّر أن يقول الناس عند الحاجة إلى الدفاع: ليس بأيدينا من سلاح، فقال تعالى:{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60].

ومن حرص الدين على الإصلاح، وأخذه في الدعوة إليه بالحيطة: أنه ينهى عما فيه مفسدة، ثم يعود إلى الوسائل التي تفضي إليه لا محالة، فيمنعها، ومن هنا تقرَّر في قواعد الشريعة قاعدة: سدِّ ذرائع الفساد.
وقد سلك الدين في الدعوة إلى الإصلاح أساليب حكيمة؛ ليجعلها قريبة من النفوس، فلا تلبث أن تتلقاها بالقول.
ومما تراه في أساليبه: أن يرشد إلى ناحية الإصلاح بكلمة عامة تجري مجرىالحكمة السائرة، ويذكر بعد ذلك ما يرى الحاجة داعية إلى بيانه وتفصيله، فانظروا إليه كيف قال في إصلاح صلة الزوجية: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}[البقرة: 228]. ثم دلَّ القرآن المجيد، وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم على كثير مما لهنَّ أو عليهم من الحقوق بتفصيل.
ويدلُّكم على أنَّ الإصلاح الديني مراعى فيه حفظ المصالح ودرء المفاسد في الواقع: رجوع أحكامه بعد الاستقراء إلى أربعة فصول:
الضرر يُزال، والمشقَّة تجلب التيسير، والأعمال بمقاصدها، والعادة محكَّمة.
تناول الدين بنصوصه وأصوله نواحي الإصلاح أينما كانت، وليس من شكٍّ في أنَّ اتباع الناس لهدايته أقرب، وسيرهم على ما يرسمه من الخطط أيسر، فإذا نحن دعونا إلى الإصلاح بحكمته وذكرناهم بموعظته، أمِنَّا ما يزلُّ فيه الدعاة من عثرات، وكُفينا ما يواجهون به من إعراض وعصيان.
ذلك دين الله لا يدعو إلا إلى الخير، ولا ينهى إلا عن سوء، وقد أنصف الفيلسوف أبو العلاء المعري حيث قال في لزومياته:

دعاكم إلى خير الأمور محمدٌ
وليس العوالي في القنا كالسوافلِ

حداكم على تعظيم مَن خلَق الضُّحى
وشُهب الدُّجى من طالعات وآفلِ

وألزمكم ما ليس يُعجز حملُه
أخا الضعفِ من فرض له ونوافلِ

وحثَّ على تطهير جسم وملبسٍ
وعاقب في قذف النساء الغوافلِ

وحرَّم خمرًا خلتُ ألباب شربها
من الطيش ألباب النعام الجوافلِ

فصلَّى عليه الله ما ذرَّ شارقٌ
وما فتَّ مسكًا ذكره في المحافلِ



---------------------------
المصدر: كتاب (موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين)، دار النوادر بسوريا ، ط1، 1431هـ ، (5/2323).
yazid1011 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-21-2013, 11:30 AM   #2
صديق المنتدى
 
الصورة الرمزية abood
 

افتراضي

بارك الله فيك وجعل هذا العمل في ميزان حسانتك
abood غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-21-2013, 01:16 PM   #3
صديق المنتدى
 
الصورة الرمزية الساهر
 

افتراضي

اثابــكِ الله علــى ما خطتــه انامـــلك
ادعــوا الله ان يحــرم عنـك النــار
حـرها وسمــومها وعذابـــها
انه جــواد كــريم
ويجعــل هذا الموضــوع في مــوازين حسنـــاتكِ

ولا يحرمنــا جديـــدكِ المفيــد
الساهر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-21-2013, 03:18 PM   #4
صديق المنتدى
 

افتراضي


بارك الله فيك على المجهود الرائع والموضوع الممتاز فواصل مواضيعك الجيدة جزاك الله خيرا
IMAM غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-21-2013, 03:51 PM   #5
صديق ايجيبت سات
 
الصورة الرمزية ابوعلي
 

افتراضي

مجهود أكثر من رائع وموضوع قيم أخي الفاضل انت مميز جزاء الله كل خير وجعل عملك في ميزان حسناتك ونحن دائما في انتظار كل جديد لك
ابوعلي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-21-2013, 08:31 PM   #6
صديق المنتدى
 
الصورة الرمزية Mr. Mahmoud
 

افتراضي

طرح قيم ومفيد جزاك الله كل خير وبارك فيك وفي جهودك

ورفع الله قدرك ونور دربك وسدد خطاك
Mr. Mahmoud غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
عوامل إصلاح المجتمع freeman المنتدى الأسلامى العام 6 04-03-2013 11:00 AM
عوامل إصلاح المجتمع IMAM المنتدى الأسلامى العام 7 03-22-2013 01:10 PM
أثر الدين في إصلاح المجتمع abood المنتدى الأسلامى العام 6 02-25-2013 07:33 PM


الساعة الآن 03:09 AM


1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123