إطلاق قناة رياضية سعودية بتقنيات الذكاء الصناعي لأول مرة
⏱️ وقت القراءة: 9 دقائق
في عالم الإعلام العربي، لحظات قليلة هي اللي بتُعتبر ثورة حقيقية، ولحظة نوفمبر 2025 كانت واحدة منها. ففي هذا الشهر أعلنت المملكة العربية السعودية رسميًا عن إطلاق أول قناة رياضية عربية بالكامل تعتمد على تقنيات الذكاء الصناعي، قناة تغيّر مفهوم المشاهدة والتحليل الرياضي، وتنقلنا من زمن المخرج والمعلق البشري إلى زمن الآلة التي تتعلم وتحلّل وتعلّق في نفس اللحظة.
القناة الجديدة تحمل اسم AI Sports KSA، وجاءت كجزء من رؤية السعودية 2030، اللي بتركّز على تحويل المملكة إلى مركز عالمي للتكنولوجيا والإعلام الحديث. لكن المفاجأة ما كانتش في الاسم ولا الشكل، المفاجأة الحقيقية كانت في الطريقة اللي بتشتغل بيها القناة. فبدل فريق كبير من المحللين والمعلقين والمخرجين، عندنا هنا نظام متكامل من الذكاء الصناعي بيفهم كرة القدم كأنها لغة خاصة، بيتعلم منها، وبيشارك المشاهدين متعة اللعبة لحظة بلحظة.
البداية من فكرة جريئة
الحكاية بدأت قبل سنتين، في 2023، داخل ورش عمل مشتركة بين وزارة الإعلام السعودية ووزارة الرياضة، لما اتطرح سؤال بسيط لكنه غيّر كل شيء: “هل ممكن قناة رياضية تشتغل بدون مذيعين؟” الفكرة في البداية بدت خيالية، لكن التجارب الأولية في استوديوهات الرياض أظهرت إن التكنولوجيا وصلت فعلًا لمرحلة تسمح بتوليد أصوات، وتعليقات، وتحليلات في الوقت الحقيقي باستخدام الذكاء الصناعي. ومن هنا اتولدت الفكرة، وبدأت رحلة التنفيذ الفعلي اللي استمرت أكتر من عامين.
في 2025، تم تأسيس تحالف إعلامي وتقني سعودي باسم Vision Broadcast Group، ضمّ شركات من مجالات مختلفة: الاتصالات، الذكاء الصناعي، البث الفضائي، والتسويق الرياضي. التحالف ده هو اللي تولّى تصميم النظام اللي بيشغّل القناة الجديدة. الفريق اشتغل على بناء خوارزمية بتقدر تتعرف على أنماط اللعب، أصوات الجمهور، وحتى انفعالات اللاعبين. وفي النهاية، أنتجوا نظام قادر يحلّل المباراة لحظة بلحظة، ويولّد تعليق صوتي طبيعي وكأنك بتسمع مذيع بشري عنده سنوات خبرة في التحليل الرياضي.
كيف تعمل القناة؟
الفكرة ببساطة إن القناة ما فيهاش “معلق” بالمعنى التقليدي. اللي بيحصل إن النظام بيستقبل بث المباراة من الكاميرات، وبمجرد ما تبدأ اللعبة، الذكاء الصناعي بيبدأ يقرأ البيانات: موقع الكرة، سرعة التمريرات، حالة اللاعبين، وتصرفات الحكام. كل حركة بيحللها في جزء من الثانية، وبعدها بيولّد صوت التعليق المناسب في نفس اللحظة. الصوت ده مش مسجل مسبقًا، لكنه بيُنشأ لحظيًا، باستخدام تقنية تسمى Generative Voice AI، اللي بتخلّي النظام يختار نغمة الصوت المناسبة — حماسية وقت الهجمات، هادئة وقت التحليل، ومتحفّزة وقت الأهداف.
المشاهد كمان مش مجرد متفرّج. من خلال جهاز الريسيفر الحديث أو تطبيق القناة على الهاتف، يقدر يختار نوع التعليق اللي يفضّله: “تحليل احترافي”، “تعليق ساخر”، أو “تعليق كلاسيكي”. وفي بعض المباريات، القناة بتتيح حتى اختيار “صوتك المفضل”، فتقدر تختار إن الذكاء الصناعي يقلّد صوت معلقك المحبوب القديم باستخدام بيانات صوتية مرخّصة.
ذكاء بصري داخل الملعب
أما على مستوى الصورة، فالكاميرات نفسها أصبحت “ذكية”. كل كاميرا مزودة بنظام رؤية حاسوبية (Computer Vision) قادر على تتبّع الكرة واللاعبين بدقة تتجاوز قدرة الإنسان. لو اللاعب ارتكب خطأ، النظام يلتقط اللحظة، يحدّد السبب، ويعرض لقطات توضيحية باستخدام الواقع المعزز (AR). وفي نهاية كل شوط، الذكاء الصناعي بيعرض تقرير تحليلي بالفيديو، يبين فيه الإحصائيات والأخطاء والتكتيك المستخدم، وكأنه محلل بشري داخل الاستوديو.
كل ده بيحصل من غير مخرج واحد يضغط زر. المخرج نفسه أصبح خوارزمية. نظام يُطلق عليه Smart Director، هو اللي بيقرر أي كاميرا تُعرض، وإمتى يعيد اللقطة بالحركة البطيئة، بل وبيختار الموسيقى المصاحبة عند لحظة الهدف. النتيجة؟ تجربة مشاهدة أقرب إلى فيلم سينمائي من مجرد مباراة كرة قدم.
تجربة المشاهدة
من اللحظة الأولى اللي تفتح فيها القناة، بتحس إنك دخلت في عالم تاني. القناة بتبدأ بسؤال بسيط: “كيف تحب تشوف المباراة اليوم؟” وتقدر تجاوب بصوتك: “بالتعليق الحماسي” أو “تحليل فني”، والنظام يفهم ويدير البث بالطريقة اللي اخترتها. خلال المباراة، ممكن تقول له “أعد اللقطة الأخيرة” أو “اعرض أداء الحارس”، والقناة هتستجيب فورًا. كل ده بيتم عبر أوامر صوتية باللغة العربية، من خلال نظام تعرف متقدم على الصوت.
لكن اللي بيخلي التجربة مذهلة فعلًا هو طريقة التفاعل مع الجمهور. كل مشاهد بيقدر يشارك في تصويت مباشر على أفضل لاعب أو أجمل لقطة، والنتائج بتظهر على الشاشة في نفس اللحظة. والذكاء الصناعي بيتعلم من التفاعل ده، وبيعدل طريقته في التعليق بناءً على رد فعل الجمهور. يعني القناة فعلاً “بتتطور” مع كل بث جديد.
وراء الكواليس
الناس دايمًا بتسأل: “فين المذيعين والمحللين؟” الإجابة إنهم موجودين، لكن دورهم اتغيّر. بدل ما يقعدوا في الاستوديو، بقوا يشتغلوا كمشرفين على النظام. في كل بث، في فريق من المهندسين والإعلاميين بيتابعوا الأداء، وبيضيفوا تصحيحات لو النظام أخطأ في نطق اسم أو تحليل لقطة. كل تصحيح بيتسجل في قاعدة بيانات، والنظام بيتعلم منه تلقائيًا. بعد كم مباراة، الذكاء الصناعي بيصبح أذكى، وأدق، وأقرب للواقع.
المثير إن عدد العاملين في القناة لا يتجاوز 40 شخص، في حين إن أي قناة تقليدية من نفس الحجم بتحتاج أكتر من 300 موظف. وده بيوضح مدى كفاءة التكنولوجيا الجديدة في خفض التكلفة التشغيلية، وفي نفس الوقت رفع جودة البث والإنتاج.
الأبعاد الاقتصادية والتقنية
الخطوة دي مش مجرد إنجاز إعلامي، لكنها كمان خطوة اقتصادية ضخمة. القنوات الرياضية التقليدية بتصرف ملايين على فرق التصوير، التعليق، التحليل، والمونتاج، بينما النظام الجديد بيقدر ينجز نفس المهام بربع التكلفة تقريبًا. ده بيخلي السعودية مش بس أول دولة تطبّق الفكرة عربيًا، لكن كمان واحدة من أوائل الدول اللي قدرت تحقق توازن بين التقنية والترفيه.
التقنيات اللي بتعتمد عليها القناة تم تطويرها محليًا بنسبة كبيرة، خصوصًا أنظمة تحليل الصور والتعليق الصوتي العربي. شركة سعودية ناشئة اسمها VocalVision كانت المسؤولة عن بناء محرك الصوت العربي، اللي بيعتمد على قاعدة بيانات ضخمة من أصوات المعلقين القدامى والجدد، وبقدرته على توليد نغمة طبيعية تمامًا يصعب تمييزها عن الصوت البشري.
وفي نفس الوقت، أنظمة التحليل الإحصائي اتصممت بالتعاون مع قسم علوم البيانات بجامعة الملك عبد الله، عشان تقدر تتعامل مع مليارات النقاط من البيانات في الوقت الفعلي. النظام بيحلل كل تمريرة وتسديدة، وبيحسب احتمالية الهدف قبل ما يحصل فعلاً بناءً على موقع اللاعبين وسرعة الكرة. ده بيدي للمشاهد تجربة تحليلة غير مسبوقة في العالم العربي.
منصة إعلامية للمستقبل
القناة مش مجرد قناة تلفزيونية، لكنها جزء من منصة رقمية أكبر. من خلال تطبيق ذكي على الهواتف والأجهزة اللوحية، المستخدمين يقدروا يشاهدوا المباريات بتجربة مخصصة. النظام بيتعرّف على سلوك المستخدم: المباريات اللي بيتابعها، الفريق المفضل، وحتى نوع التحليل اللي بيفضله. ومع الوقت، التطبيق بيبدأ يقترح محتوى مشابه أو يلخّص المباريات اللي فاتتك بأسلوبك المفضل.
التطبيق مرتبط أيضًا بشبكات الإنترنت الفضائي مثل Starlink، وده بيخلي المشاهدة ممكنة حتى في المناطق البعيدة اللي مافيهاش إنترنت أرضي سريع. كأن الذكاء الصناعي فتح باب جديد للمشاهدة بدون حدود جغرافية.
ردود الفعل الأولى
أول بث تجريبي للقناة كان لمباراة ودّية بين الهلال والنصر، وشهدت التجربة نجاح مبهر. مواقع التواصل الاجتماعي امتلأت بالمقاطع والتعليقات المندهشة من قدرة النظام على التعليق المباشر بنغمة بشرية وتفاعل طبيعي مع كل لقطة. بعض المشاهدين قالوا إنهم نسيوا إنها قناة آلية بعد أول 10 دقائق. حتى الصحافة العالمية كتبت عنها، ووصف موقع “SportsTech Global” التجربة بأنها “قفزة تاريخية في البث الرياضي بالشرق الأوسط”.
الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) كمان أبدى اهتمامه بالنظام، وطلب نسخة تجريبية لتجربتها خلال البطولات المقبلة. وتم الإعلان عن تعاون مبدئي بين الجهة السعودية المطورة وشركة ألمانية لتوسيع التجربة واستخدامها في التحليل الفني أثناء المباريات الدولية.
التأثير على القنوات العربية
الخبر نزل كالصاعقة على باقي القنوات الرياضية العربية. بعضها شاف في الفكرة تهديد حقيقي، والبعض الآخر شافها بداية جديدة ممكن يتعلم منها. في مصر وقطر والإمارات بدأت دراسات مشابهة لتطوير أنظمة تعليق وتحليل بالذكاء الصناعي. وده معناه إننا داخلين على موجة جديدة من المنافسة، مش على “من يملك الحقوق” بل “من يقدم التجربة الأذكى”.
لكن في نفس الوقت، ظهرت تساؤلات حول مصير المعلقين والمحللين التقليديين. هل الذكاء الصناعي هياخد مكانهم؟ الحقيقة إن القناة السعودية أكدت العكس. المعلقين البشر لسه لهم دور، لكن دورهم بيتحوّل إلى الإشراف، التدريب، وكتابة “الأسلوب” اللي الذكاء الصناعي يتعلم منه. يعني بدل ما المعلق يشرح المباراة بصوته، هيعلّم النظام إزاي يشرحها زيه. كأن الذكاء الصناعي أصبح تلميذًا في مدرسة المعلقين العرب.
الإعلام والذكاء الصناعي… من التهديد إلى التعايش
التحول اللي بدأته السعودية هو نقطة بداية لحقبة جديدة. الذكاء الصناعي مش هيقضي على الإعلاميين، لكنه هيغيّر شكلهم. هيحوّلهم من مؤدين إلى مبدعين ومطوّرين للأنظمة. وهنا القيمة الحقيقية: الإنسان هيبقى دايمًا في قلب المشهد، لكن بذكاء أكبر وأدوات أقوى.
القناة الرياضية السعودية الذكية هي مجرد بداية. في خطط فعلية لتوسيع التجربة إلى قنوات ترفيهية وأخبارية، بحيث يتم تحليل الأخبار أو صناعة التقارير آليًا بنفس الفكرة. وبكده تكون السعودية رسمت خريطة جديدة للبث الفضائي العربي، اللي يجمع بين الإبداع البشري والدقة الآلية.
الخلاصة
في زمن بتمشي فيه التكنولوجيا بسرعة الضوء، السعودية قررت ما تكونش مجرد متفرج، لكنها تبقى قائدة. إطلاق أول قناة رياضية بالذكاء الصناعي مش حدث عابر، ده إعلان رسمي إن الإعلام العربي بدأ يدخل العصر الرقمي الحقيقي. القناة دي مش مجرد تجربة تقنية، لكنها مثال على إن المستقبل مش بعيد، هو بيبدأ دلوقتي، ومن هنا.
من الصوت إلى الصورة، من التحليل إلى الإخراج، كل شيء أصبح ذكيًا، متفاعلًا، ومُصمم ليوصل المشاهد لتجربة جديدة تمامًا. 2025 كانت البداية، لكن 2026 هتشهد الانطلاقة الفعلية لعصر القنوات الذكية العربية. ويمكن بعد كام سنة، لما نسمع هدف جديد في مباراة عربية، مش هنفكر مين المعلق… هنسأل: أي خوارزمية هي اللي علّقت عليه؟ ⚽🤖🇸🇦
المراجع
- وزارة الإعلام السعودية
- الهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع
- NEOM Tech Press Releases
- Starlink Internet Official